الرئيسية » الوطن » إسرائيل تحوم حول الحدود الجزائرية..

إسرائيل تحوم حول الحدود الجزائرية..

على الرغم من أن الزيارة كانت قصيرة، والدولة ليست من العيار الثقيل، إلا أن رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، أكسب زيارته تشاد والتطبيع معها بعد قطيعة 46 عاما أهميةً كبرى، حتى قبل قيامه بها، فقد غرّد على “تويتر” إنها تهدف إلى تحقيق اختراق دبلوماسي تاريخي ومهم لدولة إسلامية عملاقة، تتاخم ليبيا والسودان، واصفا ذلك بأنه جزء من الثورة التي يحدثها في العالم العربي والإسلامي، واعدا بحدوث بشائر أخرى ودول أخرى. وتطرح هذه التغريدة والزيارة سؤالين: هل تشاد فعلا دولة عملاقة؟ ما هو مفهوم الثورة الإسرائيلية للعالمين العربي والإسلامي؟
تشاد وفق الموقع الجغرافي دولة حبيسة، أي ليس لها منفذ بحري للاتصال بالعالم الخارجي، وهي دولة إسلامية وفق المعيار العددي، فأغلبية سكانها مسلمون، فضلا عن كونها عربية الهوى، باعتبار اللغة العربية لغة رسمية بجانب الفرنسية. وهي تحتل مكانة متدنيةً جدا في مقاييس الديمقراطية وحقوق الإنسان، وليس لها ثقل سياسي كبير في القارّة الأفريقية، ناهيك عن النظام العالمي. ولكن، على الرغم من صحة هذه المؤشرات المجرّدة، إلا أن هناك معايير ومقاييس أخرى من وجهة نظر نتنياهو، منها الموقع الاستراتيجي لتشاد بجوار خمس دول إسلامية، ليبيا والسودان والنيجر ونيجيريا والكاميرون… وإذا كانت لإسرائيل علاقات مع الأخيرتين، إلا أن علاقاتها بالثلاث الأول غير قائمة. وبالتالي، قد يشكل التطبيع معها عنصرا داعما لحلفاء تل أبيب في دولتين عربيتين إسلاميتين مهمتين، السودان وليبيا. إذ يمكن عبرها تقديم الدعم لبعض فصائل المعارضة الدارفورية، مثل جيش تحرير السودان (جناحي ميناوي

وعبد الواحد نور). ولعل هذا ما دفع الرئيس عمر البشير إلى اتهام إسرائيل بوقوفها وراء الاضطرابات التي تشهدها بلاده، وأداتها في ذلك مجموعة عبد الواحد نور تحديدا. أما ليبيا، فإن علاقات وطيدة لتل أبيب مع تشاد من شأنها توطيد العلاقات بين الأخيرة وحليف إسرائيل، خليفة حفتر، الذي يسعى الآن للسيطرة على الجنوب الليبي، الواصل إلى خط الحدود، حيث توجد بعض فصائل المعارضة التشادية، ما يعني إمكانية وجود تحالفٍ، بقيادة إسرائيل، يضم بعض فصائل المعارضة الدارفورية وحفتر، وركيزته الأساسية رئيس تشاد، إدريس ديبي، لمحاولة إحداث خلخلة في ليبيا والسودان، لصالح حفتر من ناحية، ولابتزاز البشير حيث لمح نتنياهو قبل فترة بأنه سيزور دولة عربية، وذكرت صحف عبرية أنها ربما تكون السودان. وعلى الرغم من نفي الخرطوم في حينها، إلا أن إعادة تأكيد نتنياهو، في تغريدته أخيرا، فضلا عن سماح السودان للمرة الأولى بعبور طائرة نتنياهو عبر أجواء جنوب السودان، الخاضع لهيمنة الخرطوم، ربما قد يثير تساؤلاتٍ محتملة بشأن فكرة التطبيع وطبيعته وتوقيته.
وبالنسبة للسؤال الخاص بفكرة الثورة، أو اختراق العالم العربي والإسلامي، فعلى الرغم من عدم وجود تحديد دقيق للعالم الإسلامي، إلا أنه إذا أخذنا بمؤشر عدد السكان، سنجد أن التطبيع مع تشاد قد يفتح الطريق لإسرائيل للتطبيع مع ليبيا والسودان “ولو بعد حين”، كما سيأتي الدور على النيجر، الجارة الغربية، والتي تعاني من تجاهل وتهميش إسلاميين كبيرين، على الرغم من امتلاكها كميات كبيرة من اليورانيوم (الأولى أفريقيا والثالثة عالميا)، فضلا عن مالي التي تلعب فيها تشاد دورا عاما بوجود قوات لها في إطار القوات الدولية الموجودة هناك لدعم النظام في مواجهة الجماعات المسلحة في الشمال. وبالتالي، لن يبقى في الدائرة العربية الأفريقية سوى الجزائر والمغرب شمالا، وجيبوتي والصومال شرقا. وإذا ما حدث ذلك، فإن هذا يعد خرقا إسرائيليا لأفريقيا العربية والإسلامية. وربما يتوازى هذا مع خطواتٍ سريةٍ أحيانا، وعلنية أحيانا، لتحرّكاتٍ مماثلةٍ مع الدول العربية الإسلامية في الجناح الآسيوي، يمكن التدليل عليها ببعض المؤشرات، أبرزها زيارة نتنياهو سلطنة عمان، وزيارات وزراء إسرائيليين البحرين والإمارات.
وقد عبر عن محاولة الاختراق هذه معهد توني بلير للتغيير العالمي، حيث ذكر أن إسرائيل استوردت من دول الخليج ما يعادل مليار دولار عام 2016 عبر وسيط أو طرف ثالث.

ووفقا لتقرير لمعهد بروكنغز أوائل عام 2018 بعنوان “لماذا يحب الجميع إسرائيل”، فإن احتياج الدول الخليجية للتكنولوجيا المتقدمة التي تتميز بها إسرائيل قد يكون عاملا مهما في التقارب بينهما. إذن، هذا التغلغل الإسرائيلي في العالمين، العربي والإسلامي، بشقيه الأفريقي والآسيوي، ربما هو المقصود من الحديث عن الثورة التي تحدث عنها نتنياهو، والتي تعني هنا الانفراجة والطفرة الهائلة في العلاقات مع الدول العربية والإسلامية في آسيا وأفريقيا، بعد فترة من القطيعة الدبلوماسية والشعبية.. وهذه تطوراتٌ على الرغم من أنها مدروسة، إلا أن السرعة التي تتم بها ربما أصابت دهشة النخبة الإسرائيلية ذاتها. يحدث هذا بسبب حالة التمزق والخلافات داخل بعض الدول العربية أو بين بعضها بعضا من ناحية، ناهيك عن التماهي الكبير بين تل أبيب وواشنطن التي لم يشر وزير خارجيتها، مايك بومبيو، في خطابه أخيرا في القاهرة، إلى القضية الفلسطينية، واعتبار أن أبرز قضيتين تواجهان منطقة الشرق الأوسط الآن هما إيران والإرهاب، وتتعين مواجهتهما عبر تشكيل حلف وارسو جديد، إسرائيل ركيزته الأساسية، جنبا إلى جنب مع الدول العربية. ولا عزاء للقضية الفلسطينية التي قامت من أجلها منظمة المؤتمر الإسلامي (التعاون الإسلامي حاليا) بعد حريق المسجد الأقصى عام 1969.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: