الرئيسية » الوطن » بعد أسبوعين من الدخول… واقع كارثي للمطاعم المدرسية

بعد أسبوعين من الدخول… واقع كارثي للمطاعم المدرسية

تمكنت “الإخبارية”، من التغلغل في واقع المطاعم المدرسية خلال هذا الموسم الدراسي، بعد أسبوعين من الدخول المدرسي، لتكشف عن تدني ملفت للخدمات المقدمة منذ البداية، حيث لا يزال التلاميذ يتناولون وجبات غير متكامل تقتصر على البقوليات والعجائن، ما يؤشر إلى استمرار هذا الإشكال في ظل الجدل القائم بين تسير هذه المطاعم من طرف البلديات التي تتمكن بعضها من توفير وجبات مقبولة فيما لا تتمكن أخرى من توفير سوى “وجبات باردة”، ليبقى الطفل الضحية الوحيدة، وهي الوضعية التي ستحاول الجريدة كشفها من خلال هذا “الروبورتاج”.

تكفي جولة استطلاعية على بعض المدارس الجزائرية خصوصا التي توفر وجبة الفطور، لتكشف حجم الكارثة التي يعاني منها ملايين التلاميذ، بسبب مشكل بيرقراطي وإداري، ورغم توفير وزارة التربية لمبلغ 26 مليار دينار كميزانية إطعام، إلا أن هذا الرقم ينخفض جدا عندما يصل إلى المدارس، حيث يتراوح نصيب كل تلميذ ما بين 35 و45 دينار، وهو المبلغ الذي لا يكفي لتوفير وجبة محترمة، يضاف إليها فقر العديد من البلديات وعدم تمكنها من رفع هذه القيمة، ما يجعل صحة التلميذ أول متضرر من هذه السياسة العرجاء.

الخضر منعدم في موائد المدارس مع سيطرة مطلقة للعجائن والبقوليات

كشف التلاميذ الذين حاورتهم “الإخبارية”، خلال الجولة التي قادتها إلى بعض الولايات كالجزائر العاصمة، بومرداس وتيزي وزو، أن معظم الوجبات المقدمة في المطاعم تتكون من بقلويات وعجائن، عدس، لوبيا، مقارون، وغيرها وهي وجبات تتكرر أسبوعيا مع فاكهة موسمية أو ياغورت، وقال التلميذ ياسر بمدرسة تامدة الجديدة ببلدية تامدة، بتيزي وزو، أنه خلال الأسبوع الماضي، قدم لهم وجبة أرز، مع تفاحة، ثم عدس وياغورت، في اليوم الثاني، كسكس وإجاص، مقارون وإجاص، في اليومين الثالي والرابع، واختتم الاسبوع بطبق لوبيا وياغورت.

مراد تلميذ آخر يدرس بملحقة ليجوني أوقاسي بوعلام ببلدية تيزي وزو، كشف أن الأطباق المقدمة لهم في المدرسة تتوع ما بين الكسكسي، لوبيا، المعكرونة، وزيتون، مع فاكهة أو ياغورت.

أما بولاية بومرادس فلم تكن الأوضاع أحس حالا، حيث كشف التلميذ محمد بابتدائية محمد ساهل بزموري أن الوجبات المقدمة تتكون من لوبيا، عدس، مقارون، تونة وجبن، مع ياغورت، أو فاكهة، فيما أوضح كريم من ولاية الجزائر، أنه تم تقديم كسكسي باللبن، لوبيا، عدس، أرز، ومقارون، مع تمر، ياغورت وفاكهة بينها إجاص وتفاح.

وأجمع العديد من التلاميذ، أن الفاكهة المقدمة لأبناءهم تكون أحيانا من نوعية رديئة وملوثة ولا تغسل جيدا، حتى أنها متعفنة في بعض الأحيان، مما قد يسبب أمراض في صفوف التلاميذ، تصل إلى حد أوجاع معدية، مما أثار خوف الأولياء من الأمراض، علاوة على زيادة وزنهم جراء العجائن والبقوليات حيث تفتقر هذه الوجبات للتوازن بين البروتينات والدهون والسكريات وكذا الأملاح المعدنية والفيتامينات وغياب كلي للخضر، لتقتصر فقط على معجنات تسبب سمنة لتّلاميذ في سن مبكرة، وقد تؤدي بهم إلى الإصابة بأمراض خطيرة، ورغم شكاوى الأولياء من رداءة هذه الوجبات التي تقدم للأطفال الصغار، والتي تفتقر إلى النوعية والقيمة الغذائية التي يحتاجها جسم الطفل، إلا أن إدارات المدارس تعنت في تغير قائمة الوجبات اليومية، غير مبالين بصحة التلاميذ كونهم صغار.

صور وفيديوهات تفضح التسيب في المطاعم وتثر إستنكار الأولياء

أظهرت صور وفيديوهات تدولاها نشطاء على موقع التواصل الإجتماعي، حالات التسيب والامبالاة، منها فيديو لمدرسة بولاية سوق أهراس، أين تم تقديم قطعة خبز جافة وجبنة للتلاميذ، وهي وجبات باردة لتسكين الجوع فقط لأطفال في عمر النمو، ليعودوا بعدها إلى مقاعد الدراسة لإستئناف الفترة المسائية، وهذا رغم الاهتمام الكبير الذي توليه وزارة التربية ومديرياتها ووزارة الداخلية، عبر الوطن فيما يتعلق بالإطعام المدرسي الذي تخصص له كل سنة ميزانية معتبرة لأجل توفير وجبات لائقة للتلاميذ.

ورغم كل الإمكانيات والمجهودات لترقيته وتحسين وجبات المدرسة لا تزال بعيدا كل البعد عن التطلعات بالنسبة للتلاميذ وأوليائهم، الذين لا يزالون يعتمدون على حبة بيض وجبن وقطعة خبز، وعلبة ياغورت، وهو الأمر الذي أثار سخط واستياء الأولياء الذين اعتبروا الوجبات بالمهينة لأبنائهم ، متسائلين عن كيفية صرف الميزانيات الهامة المخصصة للإطعام المدرسي والتي لم تعرف تحسنا عبر عديد الولايات.

مطاعم مغلقة في وجه التلاميذ..

أصبح قرار وزارة التربية بتقليص عدد التلاميذ المعنيين بالإطعام المدرسي في الابتدائي، وتحويل هذه المطاعم للتلاميذ المقيمين في مناطق بعيدة عن الابتدائيات التي يدرسون فيها عكس السنوات الماضية أين كان الإطعام المدرسي يعني كافة تلاميذ الابتدائي الذين يدرسون في مدارس بها مطاعم مدرسية، كابوس يؤرق الأولياء خاصة العاملين منهم حول مصير أبنائهم خلال فترة الغداء وإنشغالاهم بهم، مما جعلوهم يعيشون ضغوطات كبيرة، داعين إلى إعادة فتح المطاعم ولو بدفع التكاليف عوضا من تكلفة الوزارة المقدرة بين 35 إلى 45 دج.

وأثار هذا القرار جدلا واسع وسط الأولياء، إضافة إلى عدم وجود مطاعم بالمدن الكبرى كونهم يقيمون بالجوار أمر غريب، وحتى إن تم نقل التلميذ في المدرسة القريبة لمقر العمل يثير الكثير من المتاعب خاصة بخصوص الصفوف التحضرية والإبتدائية والذي يخرجون في حدود الساعة 11.30 إلى غاية 13، وفترة استراحة الغداء في قانون العمل لا يزيد عن ساعة، متسائلين عن مكان ذهاب أبنائهم بالوقت الباقي، مطالبين بفتح المطاعم حتى لو بدفع التكاليف وهو ما يسمح للتلاميذ بالبقاء في المحيط المدرسي وعدم الاضطرار إلى الذهاب لتناول الغداء عند فسحة الظهيرة والعودة مجدداً إلى المدرسة في فترة بعد الظهر متأسفين من القرار.

أولياء في حيرة حول مصير أبناءهم

وأوضح أولياء التلاميذ بأن الدولة تؤدي خدمة عمومية بتوفيرها للإطعام المدرسي، مضيفين انها عملية تضامن اجتماعي ساهمت في دعم التعليم والحفاظ على مجانيته، ويستفيد منها جميع، لكن في المقابل ميزت بين التلاميذ وشكلت عائق للعائلات، وأوضحت سميرة موظفة بأحد المصانع في منطقة معزولة بتزي وزو، أن زوجها عامل في ولاية مجاورة وهي من تتكفل بالأولاد حيث لديها ولدين يدرسان بالمدنية ولا يستفيدون من الإطعام، الأمر الذي شكل عائق كبير مما أضطرها إلى البحث عن شخص أخر ليتكفل بأخذهم من المدرسة وإطعامهم ثم إعادتهم للإبتدائي، لتدفع 6ألاف دينار مقابل ذلك، رغم أن أجرتها لا تتجاوز 25 ألف دينار وزوجها 30 ألف دينار مع أجرة شقة وغيرها من المصاريف مطالبة بحل يرضي الجميع، فيما أكد حميد من الجزائر، بأنه مضطر كل يوم لتأخر عن الدخول للعمل خلال إستراحة الغذاء، بسب تنقله بالسيارة لأخذ أولاده للمنزل للأخذ وجبة الغذاء ثم العودة للمدرسة خاصة مع الإختناق المروري الذي تشهده العاصمة، مما أدى به إلى عملية خصم شهري من الشركة نتيجة التأخير، معتبر أن الأمر بالغير المقبول.

عمال ومنظفات لتحضير الوجبات في غياب الطباخين

ولاحظت الإخبارية خلال جولة إستطلاعية عبر مختلف الولايات، أن بعض المدارس تشهد غياب تام للطباخين المكلفين بتحضير وجبات التلاميذ، حيث تلجأ المدارس لتجنيد العمال والمنظفات لسد العجز بالرغم من عدم حيازتهم على أية مؤهلات لشغل هذه المناصب أو تكوين، حيث أوضح سليمان يشغل منصب حارس، أنه تفاجئ لإدخاله المطعم للطبخ مع بعض زملائه لإعداد وجبة للتلاميذ، وهو لا يفقه شيء في هذا المجال مما إستدعى تقديم وجبة باردة متمثلة في بيض مسلوق وجبن، إلى غاية قدوم المنظفة في اليوم الموالي من أجل الطبخ، وكل هذه التجاوزات تفسر رداءة الوجبات المقدمة والإبقاء على نفس القائمة، وأحيانا اللجوء، إلى الوجبات الباردة، ما قد يجعل التلاميذ يتعرضون لعدة مخاطر، مع عدم توفر الشروط المطلوبة في العمل داخل المطبخ، الأمر الذي يجعلهم يقعون في التسممات الغذائية .

بوديبة يقر بفشل نظام الإطعام المدرسي وتصفه بـ “الشعبوي”

أوضح الناطق الرسمي لنقابة الكنابست، مسعود بوديبة في إتصال هاتفي ليومية “الإخبارية”، أنه لا وجود لسياسة مدروسة للإطعام المدرسي، وهي سياسات ترقعية شعبوية، والتلميذ يبقى الضحية، حيث أن الوجبات المقدمة لا تتناسب مع الذي تم الترويج له، وهناك مدارس تقدم وجبات باردة تصل إلى قطعة خبز وجبن، وهذه ما لا يتماشى مع التغذية المدرسية، مضيفا أن هناك أهداف بيداغوجية، صحية، غذائية، والذي يدخل كله في إطار معالجة الشق الإجتماعي البيداغوجي للتربية، مشيرا أن وزارة التربية تخلت عن الإطعام لصالح وزارة الداخلية والتي تسيرها البلديات مما أدى إلى عدم تحقيق المساواة والتكافؤ بين التلاميذ، وخلق فوارق كبيرة، حيث أن هناك بلديات تملك ميزانيات وأخرى محدودة الإمكانيات، وقد تم تسجيل فوارق في الإطعام، وهذا ما فقد فيه الشق البيداغوجي، ولا يمكن تحقيقه في هذه الحالة، وأصبح محصور على الفعل الروتيني فقط وكل الأهداف المسطرة بعيدا كل البعد عن الواقع.

“الساتاف”: أكبر مشل للإطعام هو تسييره من قبل البلديات

من جانبه أكد عضو نقابة الستاف نبيل فرغنيس، في تصريح للإخبارية، أن مشكل الإطعام في الجزائر راجع إلى تسير هذه الأخيرة من طرف البلديات، وهذا ما يشكل فارق بين مدرسة وأخرى حسب الإمكانيات حيث هناك بلدية تقدم وجبة بتكلفة 120 دج للتلميذ، وأخرى خاصة النائية بـ35 دج، داعيا وزارة التربية بإعادة النظر في تسير المطاعم المدرسية، خاصة الإبتدائيات من أجل عدم التميز ووضع ميزانية مخصصة تقدم لكل بلديات الوطن.
وأشار ذات المتحدث بخصوص قائمة الطعام الأسبوعية، أن هذه القائمة تحدد حسب الميزانية، علاوة على إنعدام الطباخين، وجعل العمال العادين والمنظفات لطبخ الوجبات، مع نقص التكوين في هذا المجال، مما يجعل الوجبات متكررة أسبوعيا، وتفتقد للنوعية والقيمة الغذائية التي تساعد التلاميذ، وهذا ما يدعوا للقلق حول صحة التلاميذ وإمكانية الإصابة بمرض، مطالبا المسؤلين بتقدم أرقى الخدمات للأطفال خاصة مع غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية، وزيادة الفقر، حيث هناك أطفال يعنون من سوء التغذية لذا يجب إطعامهم بشكل يتماشى مع نظام التغذية المعمول به من بروتينات فيتامينات وغيرها، ليناولون جميعا نفس القيمة الغذائية بعيدا عن التحيز والتميز.

لجان وزارية لمعاينة ظروف التمدرس بالإبتدائيات خاصة الإطعام

قررت وزارة الداخلية والجامعات المحلية، والتهيئة العمرانية، بعث لجان تفتيشية عبر كافة بلديات القطر الوطني، قصد معاينة ظروف تمدرس التلاميذ بالإبدائيات، خاصة الإطعام الذي يستفيد منه قرابة 4 ملايين تلميذ بتكلفة قدرت بـ26 مليار دج، وهذا بهدف مرافقة مختلف التدابير التي أقرها القطاع بخصوص الدخول المدرسي 2019-2020 بمتابعة صارمة أهما النقل والإطعام، قصد معاينة ظروف تمدرس التلاميذ بالمدارس الابتدائية، حيث سخر لها 250 إطار من بين المفتشين المركزيين والمفتشين العامين للولايات والمفتشين الولائيين، بالإضافة إلى إطارات مركزية
وتعد هذه المهمة التفتيشية الثالثة من نوعها، وتم تنظيمها منذ شهر جوان المنصرم في إطار تحضير الموسم الدراسي الجاري، بما يسمح بالوقوف على وتيرة تقدم عملية تهيئة المنشآت المدرسية، خاصة المطاعم المدرسية والتي تشكل أهمية بالغة لظروف تمدرس التلاميذ، في إطار البرنامج القطاعي المتعدد السنوات 2018 و2019 و2020 المسطر على عاتق صندوق التضامن والضمان للجماعات المحلية، و الذي يشمل إعادة تأهيل أكثر من 19000 مدرسة ابتدائية في آفاق 2020 بغلاف مالي يقدر بـ 35مليار دج

وسام.كوداش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: