الرئيسية » الوطن » الحوار الوطني .. التحديات والسيناريوهات التي من المرجح أن تشهدها الجزائر في قادم الأيام!

الحوار الوطني .. التحديات والسيناريوهات التي من المرجح أن تشهدها الجزائر في قادم الأيام!

بينت التجربة التاريخية للشعوب التي تمكنت من بناء أنظمة ديمقراطية متينة أن الشرط الأساسي لقيام هذه المنظومة واستمرارها يتمثل في مدى قدرة الأطراف السياسية المتباينة على تنظيم الحوارات بهدف الوصول إلى التوافقات بمختلف أنواعها، كما استطاعت تونس الشقيقية تجاوز الأزمة السياسية المربكة التي مرت بها بعد اغتيال المناضل اليساري شكري بلعيد والاغتيال السياسي الثاني الذي استهدف زعيمًا معارضًا وأحد أعضاء المجلس الوطني التأسيسي والذي كاد أن يؤدي بالبلاد إلى مآلات خطيرة، بفضل مبادرة الحوار السياسي بين مكونات المجتمع المدني بين أطراف النزاع والتي عجلت في امتصاص الأزمة وإيجاد حلول عملية لتجاوزها بإيقاف النزيف، وكانت الجزائر كغيرها من الدول  في هذه الفترة الحرجة بحاجة إلى الحوار، فهل استطاعت لجنة الحوار الجزائرية تحرير عقدة الجزائر؟

عرفت الجزائر منذ بداية سنة 2019 غليانا شعبيا لم تشهده مند عقود عدة، ويعود سببه بدرجة أولى إلى تمسك الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالترشح لعهدة رئاسية خامسة وسط جدل كبير حول وضعه الصحي.

وبالرغم من إقدام الرئيس على سحب ترشحه وتأجيله للانتخابات الرئاسية، واقتراحه لمرحلة انتقالية، فإن الاحتجاجات تواصلت بل واتسعت رقعتها، وقد كان لمواقع التواصل الاجتماعي دورا محوريا في اتساع رقعة هذه التظاهرات من خلال الدعوات الملحة والمتكررة للمواطنين من أجل التظاهر كل يوم جمعة بطريقة سلمية.

وقد ساهم الحراك الشعبي في إسقاط حظر التظاهر في الجزائر العاصمة حيث لم تر شوارع العاصمة مظاهرات شعبية منذ سنة 2001، وكانت تجري هذه التظاهرات بطريقة سلمية رغم غياب تأطير هيكلي لها، فمنذ بداية الحراك تكرر شعار “سلمية سلمية” كمبدأ أساسي ليتحول بعد ذلك إلى نهج عملياتي يتجلى عبر النداءات المتكررة بعدم الاستجابة للاستفزازات وعدم الدخول في مواجهات مع أجهزة الأمن.

وقد شمل كل شرائح المجتمع من شباب وكهول وشيوخ ورجال ونساء وعمال وعاطلين ومثقفين،  وإذا كانت الشريحة الشبابية موجودة بقوة في هذا الحراك، وتواصلت مطالب الحراك بمطالب سياسية محضة من رفض للعهدة الخامسة، ثم رفض لتمديد العهدة الرابعة، إلى تغيير النسق السياسي بأكمله.

هيئة الوساطة والحوار .. تحدٍ كبير

وبعد خمسة أشهر من اندلاع الحراك الشعبي في الجزائر، أعلنت رئاسة الدولة المؤقتة قائمة من ست شخصيات لتنسيق حوار وطني، وأوضح رئيس الدولة عبد القادر بن صالح عقب الإعلان عن القائمة أن كل المؤسسات الرسمية -بما فيها الجيش- لن تكون طرفا في الحوار، وستلتزم بأقصى درجات الحياد طوال مراحل المسار، وأن الهدف الرئيسي هو تهيئة الظروف اللازمة لتنظيم الانتخابات الرئاسية بشفافية كاملة.

ووقع الاختيار على كريم يونس، ليكون منسقا عاما للجنة قيادة الحوار الوطني، وهو وزير سابق كان قد تولى رئاسة البرلمان، واستقال منها بعد معارضته استمرار عبد العزيز بوتفليقة في رئاسة البلاد عام 2004، وتضم اللجنة المحامي لزهاري بوزيدي، وهو عضو بمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أبعده بوتفليقة من الغرفة العليا للبرلمان عام 2007، ولكنّه يُحسب على دواليب السلطة، ومن بين أعضاء اللجنة الحقوقية فتيحة بن عبو، وهي من أهم المرجعيات في القانون الدستوري، ودعت منذ 2013 إلى عزل بوتفليقة بمقتضى العجز الصحي.

وقررت الهيئة الوطنية للوساطة والحوار في الجزائر توسيع عضويتها وضم أحد شباب الحراك لها ليرتفع عدد أعضائها إلى سبعة، ودعت شخصيات أخرى للانضمام لها، وأكدت أنها لجنة غير حكومية لا تقوم على الإقصاء، ويكون تشكيل الهيئة بقرار منها من دون تدخل من أي جهة، وجاء القرار بعدما شهدت العاصمة الجزائرية تظاهرات الجمعة الماضية للأسبوع الـ23 على التوالي، وسط انتشار أمني كبير، احتجاجا على شرعية “الشخصيات الوطنية” التي ستتولى حوارا حول ترتيبات انتخابات رئاسية لا تزال حركة الاحتجاج ترفضه.

هيئة الحوار تعلن خطتها للوساطة

لكن الهيئة تعرضت لانتقادات من حركة الاحتجاج التي تشهدها الجزائر منذ 22 شهر فيفري 2019 والتي طالبت السلطات بتفكيك النظام الموروث من 20 سنة من حكم بوتفليقة، ولم يكن مسار الحوار سهلاً أو في المتناول بل عرف تعرّجات وعقبات وانتكاسات عديدة في مختلف مراحله، غير أن إرادة الرعاة للحوار وإيمان الجزائريين بأهمية هذه الآلية كأداة لتجاوز العقبات والصعوبات للوصول إلى التوافق حول القضايا الرئيسية، ساهمت إلى حدّ بعيد في إقناع الكثيرين إلى الذهاب إلى الحوار.

وأكدت لجنة الحوار أنه في فضاء الحوار لا يوجد طرف خاسر وآخر رابح، بل تتم العملية من خلال نقاشات واسعة صريحة وشفافة بين كافة الأطراف السياسية بدون أفكار مسبقة وصولا إلى التوافق بين الآراء المتعددة وهو ما يتطلب التنازل المتبادل بشكل متواز ومتساو، وعدم التمسك بأقصى الأهداف، وعدم وضع الشروط المسبقة، وعدم اللجوء إلى التهديد من أجل الإقناع، واعتماد المرونة في التعامل مع الأهداف، وكذلك في الوسائل المستعملة.

ورحبت الرئاسة الجزائرية بالمقترحات التي قدمتها لجنة الحوار والوساطة في ختام لقاءاتها مع الفاعلين في الطبقة السياسية، ووصفتها بـ”الضمانات الكافية لتنظيم انتخابات رئاسية شفافة”، شملت 120 مقترحاً، وأشار كريم يونس رئيس اللجنة، في ندوة صحفية إلى ترحيب الرئاسة الجزائرية بالمقترحات، مؤكدا موافقتها على بعض منها رسمياً، من أبرزها إسقاط شرط الحصول على 600 توقيع فردي من أعضاء المجالس المحلية بالنسبة لمرشحي الانتخابات الرئاسية.

وأكدت الهيئة، من خلال تقريرها، وجود “اتفاق مبدئي بين المتحاورين على الذهاب لانتخابات رئاسية في آجال معقولة، وإجماع على اعتماد مقاربة ونهج الحوار كقيمة وأسلوب حضاري أمثل للتوافق”، فضلا عن “ضرورة احترام روح الدستور”، مع لفت الانتباه إلى أن مطلب الطبقة السياسية والمجتمع المدني المتعلق برحيل الحكومة الحالية يظل قائما.

ومن أبرز الضمانات التي طالب بها الحراك الشعبي والمعارضة بالجزائر والتي تم الاتفاق عليها بين الرئاسة الجزائرية ولجنة الحوار والوساطة تشكيل “سلطة وطنية مستقلة لتنظيم ومراقبة الانتخابات.

وتتكون من 50 عضوا غالبيتهم من جهاز العدالة من قضاة ومحامين وموثقين ومحضرين قضائيين، بالإضافة إلى أساتذة جامعيين وممثلين عن المجتمع المدني، وأوصت لجنة الحوار والوساطة بالجزائر بأن يتم انتخابهم ومنع تعيينهم من الرئاسة أو أي مؤسسة أخرى، وعدم انتمائهم إلى حزب سياسي.

بن صالح يعلن إجراء الانتخابات الرئاسية في 12 ديسمبر

سرّعت السلطات مسار تنظيم الانتخابات الرئاسية المرتقبة نهاية العام الجاري، للخروج من الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد منذ أشهر، عقب مصادقة مجلس الوزراء، على التقرير الذي سلمته الهيئة الوطنية للوساطة والحوار، لرئيس الدولة عبد القادر بن صالح، المتضمن تعديل القانون المتعلق بالانتخابات واستحداث سلطة وطنية لمراقبتها، ونزول المشروعين في ظرف قياسي للبرلمان للمصادقة عليهما.

وأكد رئيس الدولة عبد القادر بن صالح، عند تدخله عقب مصادقة مجلس الوزراء على مشروع هذا القانون العضوي، أن هذه السلطة الوطنية الجديدة تشكل استجابة ملموسة لتطلعات الشعب الذي طالب، بصفة سلمية، بتغيير عميق لنظام الحكامة، يقوم على أساس قواعد جديدة تتسم بالحياد والشفافية والإنصاف، وللطبقة السياسية فيما يخص وضع قواعد جديدة كفيلة بضمان شفافية الانتخابات وتكريس الـمسار الديمقراطي، بغرض تمكين الشعب من الإدلاء بصوته بكل حرية خلال الاستشارة الانتخابية القادمة، لانتخاب رئيس الجمهورية، وبالتالي قطع الطريق أمام المغامرة والمبشرين بها.

وحدد الرئيس عبد القادر بن صالح، 12 ديسمبر المقبل موعدًا لانتخابات الرئاسة في الجزائر، وقال: “انطلاقًا من الصلاحيات التي يخولها لي الدستور، قررت أن يكون 12 ديسمبر المقبل، تاريخًا لانتخابات الرئاسة”.

سلطة الانتخابات: نمتلك ضمانات كافية لنزاهة الاستحقاق الرئاسي

تتجه الجزائر نحو تغيير غير مسبوق في النظام الانتخابي، عبر استحداث سلطة مستقلة لتنظيم الانتخابات، ما يسمح بإبعاد السلطات العامة نهائيا عن مسار الاقتراع الرئاسي، المرتقب أواخر العام الجاري، لضمان نزاهته، وللمرة الأولى في تاريخ الجزائر، منذ استقلالها سنة 1962، ستُنشأ هيئة مستقلة تُعنى بتنظيم ومراقبة والإشراف على الانتخابات.

وكانت الانتخابات من صميم مهام الحكومة، ممثلة في وزارة الداخلية، ثم أُقحم القضاء في عملية فرز الأصوات ومراجعة القوائم الانتخابية (سجلات الناخبين) سنة 2012، بمساعدة لجنة للمراقبة، كانت تضم ممثلين عن الأحزاب، ثم تحولت إلى هيئة تضم مستقلين.

وجاء مقترح تشكيل الهيئة الانتخابية الجديدة من فريق الوساطة والحوار، الذي تولىصياغة مشروع قانون لاستحداثها تحت اسم “السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات”، وتتمتع الهيئة بشخصية معنوية واستقلالية إدارية ومالية وامتداد على المستويين المحلي والخارجي، ويتألف مشروع القانون الخاص باستحداث الهيئة من 54 مادة موزعة على 5 فصول.

ومن المهام الموكلة للهيئة تحضير الانتخابات وتنظيمها وإدارتها والإشراف عليها، والتي يترأسها محمد شرفي بداية من عملية التسجيل في القوائم الانتخابية حتى الإعلان الأولي عن النتائج،المسؤولية عن سجلات الناخبين وقوائم الانتخابات على مستوى البلديات والمراكز الدبلوماسي،.استقبال ملفات الترشح لانتخاب رئيس الجمهورية والفصل فيها، طبقًا لأحكام قانون الانتخابات (كانت تتم على مستوى المجلس/ المحكمة الدستورية ).

وقال مسؤول هيئة الإعلام في السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات علي ذراع، إن أول ضمانات النزاهة هو الضمان القانوني، فالسلطة أُنشأت بقانون يعطيها كل الصلاحيات التي كانت ممنوحة لوزارات عديدة، مثل الداخلية، والعدل، والخارجية، والمجلس الدستوري المحكمة الدستورية.

وبشأن الانتخابات الرئاسية القادمة قال ذراع: “نحن مقبلون على تحدٍ كبير، وعلينا نحن كسلطة للانتخابات أن نثبت أحقيتنا بالوجود في الميدان”، والجزائريون يحبون التحدي، لذلك علينا أن نكون مجندين جميعنا من أجل نزاهة ونظافة الانتخابات وإزالة الصورة الموجودة عنا في الخارج بأن الجزائر هي بلد التزوير”.

كيف يبدو مستقبل الحوار وجدواه في المراحل اللاحقة؟

ومن الضروري الإشارة إلى أن النزاع الحاصل في الجزائر هو نزاع سياسي سلمي يأتي في إطار المرحلة الثانية من مراحل الانتقال الديمقراطي، وتتميز مراحل الانتقال الديمقراطي عادة، حسب التجربة التاريخية، بـ”السيولة السياسية وبتضخم عدد الأحزاب وارتباك سلوكها وعدم وضوح أهدافها وبكثرة مزايداتها”، وتتميز كذلك بغياب الإجماع حول آليات الانتقال ومضمونه وَحَدِّهِ الزمني، لذلك تبدو النزاعات في مثل تلك المرحلة أمرًا طبيعيًا تمامًا مثلما يبدو أمر الحوار والتفاوض حول حلها وتجاوزها، لكن في المقابل من الضروري أن تدار تلك النزاعات بقواعد جديدة.

فبالرغم من الصعوبات التي واجهت تطبيق “خارطة الطريق”، فإن أغلب القوى السياسية الجزائرية، أجمعت على أن الحوار هو الطريق الأمثل للخروج من الأزمة، وتجنيب البلاد مخاطر الانزلاق نحو العنف وحتى الحرب الأهلية، خاصة في ظل تواصل هشاشة الأوضاع الأمنية، وتصاعد مخاطر الإرهاب، كما لا يمكن أن نغفل عن كارثية الوضع الاقتصادي، الذي يؤذن بالذهاب نحو مخاطر الإفلاس.

التجربة التونسية تفرز مسارا ديمقراطيا مبنيا على الحوار رغم الخلافات

في الأخير يجب الإشارة أنه أدرك البلد الشقيق تونس أنه للخروج من الأزمة التي مر بها أن أخطر المراحل هي تلك التي تصر فيها على السيطرة على رئاسة الحكومة في مرحلة انتقالية، يمكن أن تذهب بكل مكتسبات الثورة، ولقد كانت طريق الوصول إلى الدستور التونسي الجديد شاقة وطويلة، لكنها على الرغم من ذلك تُعد تجربة فريدة يمكن أن نستخلص منها دروسا في عالم عربي أحوج ما يكون إلى التمعن فيها أن  الحوار والتوافق مجتمعين بدلا من الغلبة والإقصاء هما الركن الضامن لنجاح عملية التحول من دولة الاستبداد إلى دولة الديمقراطية، من أجل الوصول إلى حلول سياسية يرتضيها الجميع بعيدا من العنف والإقصاء.

كما أنه كان لقوى المجتمع المدني دور بارز في إنجاح التجربة، وعلى وجه الخصوص ذلك الدور المتميِّز الذي اضطلع به الاتحاد العامّ التونسي للشغل في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين، وتغليب لغة الحوار والاحتكام إلى الحلول السياسية الوسطى، وهكذا تتميّز التجربة التونسية مِن غيرها مِن الثورات العربية بأنّها أفرزت مسار بناء ديمقراطي حقيقي مبني على الحوار، على الرغم من التجاذبات والخلافات العميقة بين التيارات السياسية والفكرية والأيديولوجية المتباينة.

هند.د

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: