الرئيسية » باقي الاقسام » روبورتاجات » بين قبضة المنحرفين وتشويه العشاق… واقع كارثي للمساحات الخضراء في الجزائر

بين قبضة المنحرفين وتشويه العشاق… واقع كارثي للمساحات الخضراء في الجزائر

رصدت “الإخبارية” واقع المرافق العمومية عامة والمساحات الخضراء والمنتزهات خاصة في الجزائر، والتي تعتبر ملاذ العائلات الباحثة عن الراحة والسكينة في أجواء تطبعها الخضرة، ورغم مجهودات الدولة من أجل تهيئتها، إلا أن الإهمال واللامبالاة التي حولتها لأوكار ممارسة الرذيلة، علاوة على غياب الدراسة الاستشرافية لإنجازها، جعل المدن الجزائرية تحرم مواطنيها من هذه الفضاءات الضرورية رغم أهميتها.

وخلال جولة استطلاعية للإخبارية من أجل كشف واقع الحدائق العامة كمرفق عمومي لاحظت أنها في طريق الاندثار؛ فالإهمال الذي طالها على مدى سنوات حولها إما إلى أطلال أو فضاء دون روح، مع انعدامها في معظم المشاريع التي تم إنجازها أو في قيد التشييد ما يجعلنا ندق ناقوس الخطر قبل جعل المدن الجزائرية مجرد محتشدات سكنية.

مساحات خضراء عزلتها سلوكيات لا أخلاقية وشوّهها الإهمال

ظلت الفضاءات الخضراء في الجزائر لسنوات طويلة ومازالت إلى غاية اليوم محرمة على المواطنين العاديين، وحكرا على المنحرفين، وغالبية السكان يتجنبون حتى المرور بمحاذاتها، تجنبا للشبهات وخوفا من الاعتداءات في ظل غياب الأمن، بالإضافة إلى الإهمال حتى أصبحت مكبا للنفايات.

وتبلغ المساحة الإجمالية للمساحات الخضراء حسب إحصاءات وزارة البيئة والطاقات المتجددة 224 مليون م2 فضاء أخضر سنة 2017، بمختلف أنماطها حيث يقدر مؤشر استخدامها 1 متر مربع لكل مواطن، فيما تحدد المعايير الدولية حصة هذه المساحات بـ10 أمتار مربع لكل مواطن، وأرجع السبب إلى أن ثقافة المساحات الخضراء بدأت في التراجع نسبيا، مع زيادة مشكل السكن بسبب النزوح الريفي، إذ أصبح ينظر إليها كأراض مهملة، منها ما التهمها القصدير بمرور السنوات، كذا الإهمال ما جعلها أماكن مشبوهة يحتكرها المنحرفون والشواذ والمدمنون على الكحول والمخدرات، لتصبح بذلك فضاءات خطيرة ومنبوذة اجتماعيا.

وخلال جولة استطلاعية للإخبارية عبر مختلف الحدائق بالعاصمة على غرار حديقة تونس، حديقة مارينغو، وبن عكنون، وحديقة الحريّة “بارك دو غالو” سابقا، علاوة على غابة بوشاوي بالعاصمة، وحديقة قورصو ببومرداس، أكد مختلف المواطنين الذين تم الحديث معهم أن العائلات الجزائرية أصبحت تتجنب هذه الحدائق والمساحات الخضراء نظرا لما تحويه من سلوكيات سيئة ومناظر لا أخلاقية تتنافى مع قيم المجتمع وديننا الحنيف، وعبر “عمي علي” مواطن متقاعد، عن أسفه لما آلت إليه الحدائق عامة وحديقة الحريّة بارك دو غالون خاصة، والتي كانت متنفسا طبيعيا وفضاء أخضر مفتوحا لكافة الشرائح، ورغم تهيئتها إلا أنها مازالت وجهة للعشاق الذي يأخذون منها مكان لمختلف الممارسات المخلة بالحياء في الهواء الطلق، وكذا المنحرفين الذي يتعاطون المخدرات في العلن.

كما أكدت ياسمين وهي طالبة في علم النفس أنها تحب ارتياد الحدائق العامة للاسترخاء والمطالعة، لكنها أصبحت تتجنب حتى المرور بجانبها وهذا لتفادي الشبهات خاصة أنها مأوى للممارسات غير الأخلاقية ولا حرج في القول أنها وكر دعارة للعشاق، وكل فتاة تجلس هناك تلاحقها نظرات الاستغراب والاستهجان من قبل رجال وشبان، منهم من لم يتوان في التجريح والتعليق بالجلوس فيها.

كما روت للإخبارية الفتاة أميرة جامعية بطالة، أنه خلال جولة لها بحديقة بن عكنون للترويح عن نفسها تعرضت للتحرش من قبل منحرف أراد الجلوس إلى جانبها عنوة وعندما رفضت هددها بسكين وانهال عليها بوابل من الشتائم حتى أنه أردا اصطحابها إلى الحشائش للممارسة الفعل المخل بالحياء عليها، ما جعل بعض الشبان يتدخلون لإنقاذها، وهذا ما اضطرها إلى مغادرة المكان فورا وعدم تكرار تجربة الجلوس فيه.

وطغت هذه السلوكيات على معظم المساحات الخضراء المتواجدة في الجزائر التي أضحت قبلة للمجانين والمنحرفين ومكانا خطيرا ووكرا للجريمة منها المخدرات والخمر وغيرها، حيث شهدت العديد من حالات السرقة والاعتداءات باستعمال الأسلحة البيضاء في وضح النهار، والناتج عن غياب الأمن وحتى كاميرات المراقبة لاصطياد المجرمين والمنحرفين.

كما تشهد مختلف الحدائق العامة إهمال ولامبالاة حيث أصبحت مكبا للنفايات المختلفة من قارورات وعلب الخمر ما انجر عنه انتشار الروائح الكريهة والحشرات السامة بالإضافة إلى القطط والكلاب الضالة، مما يؤكد غياب مصالح النظافة والسلطات المحلية، وهي الحال نفسها بالنسبة للنباتات والأشجار التي فقدت رونقها واخضرارها.

الجزائريون يستغيثون ويطالبون السلطات بإحياء المساحات الخضراء

ودعا المواطنون خلال حديثهم للإخبارية السلطات المعنية على غرار وزارة الداخلية وزارة البيئة والسكن، بتوفير المساحات الخضراء والحدائق العامة ورد الاعتبار لها خاصة بعد الوضعية المتدهورة التي أضحت تميّز معظمها بسبب امتلائها بالنفايات والقمامة والإهمال الكبير الذي طالها، علاوة على ممارسة الرذيلة فيها، وهي الوضعية التي انعكست سلبا على العائلات التي تبحث عن الراحة والاستجمام هروبا من مشقة العمل والضغوط الاجتماعية، مطالبين بإنجاز حدائق عامة تتوفر على كل المعطيات من منتزهات وأماكن التسلية، ومراحيض وكافة المرافق الحيوية، في صالح العام خاصة على مستوى السكنات المشيدة حديثا، معتبرين أن تواجد مثل هذه المساحات يعد من أهم مؤشرات التطور الحضري وتحسين جودة الإطار المعيشي للمواطن.

الجزائر لم تنجز أي مساحات خضراء حتى في المدن الذكية

وأوضح الخبير الدولي في الهندسة المعمارية والعمران، والخبير لدى هيئة النقد لقرارات الحكومة سابقا، جمال شرفي، في تصريح للإخبارية، أن المساحات الخضراء في الجزائر خاصة المدن الكبرى أغلبها يعود إلى الحقبة الاستعمارية، وفي الوقت الحالي لا وجود لمساحات جديدة وهذا راجع إلى عدم اهتمام السلطات بها، وكان همها فقط بناء السكن والأحياء دون أن يكون هناك مرفق عام مرافق وأصبحت تقتصر فقط على حدائق صغيرة لا تتوفر على المتطلبات ما جعلها تقضي على مفهوم المساحات الخضراء.

كما أشار المتحدث ذاته أن الجزائر لم تنجز أي حدائق خضراء منذ الاستقلال ما عدا منتزه “الصابلات” بحسين داي، الذي لم يخل من أخطاء فادحة على غرار غياب المراحيض وغيرها من المرافق، والتي تتواجد في الحدائق القديمة المشيدة في الحقبة الاستعمارية، مبرزا أن الدولة لم تشيد خلال 40 سنة الماضية أي مساحة خضراء عامة، في أي ولاية من ولايات الوطن وأكبر مثال على ذلك المدن الجديدة الذكية والتي لا تحوي على أي مساحة خضراء وغياب أي دراسة استشرافية من أجل تشييدها، والعقدة التي عمل عليها المسؤولون في التعمير أنهم فكروا فقط في أزمة السكن وبناء المشروع السكني وتجاوزوا واعتدوا على كل فضاءات الراحة من ضمنها هذه المساحات الخضراء.

وأضاف شرفي أنه في كل بلدان العالم عند تشييد أي مشروع سكني أو مدن ذكية يؤخذ بعين الاعتبار المساحات الخضراء والحدائق العامة والتي تحوي على كل متطلبات الراحة والاستجمام من بحيرات وأماكن الجلوس ومنتزهات، إلا في الجزائر وأكبر دليل على ذلك فضيحة مشروع “دنيا بارك” أو “الرياح الكبرى”، المنتزه الواقع، غرب العاصمة والذي تقدر ميزانيته الإجمالية بـ2.5 مليار دولار مازال خاليا من الزوار بعد 16 سنة من انطلاقه بسبب عدم استكمال إنجاز مرافقه على مساحة 800 هكتار، خاصة أنه كان يفترض أن يضم المشروع سلسلة من الحدائق والمساحات الخضراء، إلا أن الحلم لم يتحقق وكان الواجب إتمامه في 2015.

الحدائق العامة كمرفق عمومي اندثرت واختصرت في فضاء أخضر بالحي

وأبرز الخبير الدولي في الهندسة المعمارية والعمران أن الإشكالية الآن في الجزائر مركبة وتبدأ من التفكير والتخطيط في حد ذاته والمغيب في حد ذاته لا يأخذ بعين الاعتبار إلا قليلا نظريا والحدائق العامة كمرفق عمومي أساسي اندثر من طرف المسؤولين على مستوى الجماعات المحلية والولايات واختصر كفضاء أخضر على مستوى الحي، مشيرا أن هناك فرقا شاسعا بينهما.

وأشار شرفي أن النظرة الاستشرافية انعدمت لدى المسؤولين خاصة الدراسات العمرانية للمدن الجزائرية والذكية كسيدي عبدلله، بوينان، المنيعة، بغزول، حاسي مسعود، حيث أن ما تم إنجازه حاليا يظهر غياب الدراسات حول هذه المساحات، ويعتبر كارثة عمرانية، حيث لا وجود للاخضرار ما يزيد الضغط على نفسية المواطنين فيصبحوا كقنابل موقوتة، مضيفا أن الحديقة بمفهومها كمكان للتأمل والاسترخاء من الأرق والقلق، والمسؤول لم يفهم أن المواطن مثلما هو محتاج للسكن فهو محتاج أيضا لمساحة خضراء فقط بل حدائق عامة كمرفق عمومي.

الدراسات الاستشرافية انعدمت و المدن الجزائرية تسير نحو الموت المحتم

وحذر المتحدث ذاته من مواصلة الاعتداء على المساحات الخضراء من أجل تشييد مشاريع وهذا ما تم في بعض الولايات بالتواطؤ مع المسؤولين، حيث تم إهمال حدائق عمومية لتكون وكرا للمنحرفين وأماكن تمارس فيها كل السلوكات السيئة، كذا مصب للنفايات التي تعود للحقبة القديمة بحجة أنها تسير من طرف البلديات ولا يوجد أشخاص متخصصون من أجل تهيئته، ليصدر قرار بردمها، وتعطى للمستثمرين ومافيا العقار، وقد تم الاستحواذ عليها وبيعها قطعا أرضية لأصحاب النفوذ والمال من أجل بناء هياكل فيها.

وأكد الخبير أن المدن الجزائرية تسير نحو الموت المحتم وتصبح كمحتشدات باعتبار أن مساحاتها الخضراء والحدائق العمومية في تناقص حتى تكاد تندثر وأصبحت كلها عبارة عن مساحات من الخرسان المسلح مما شوه المنظر العام على غرار كل دول العالم، وهذا راجع إلى عدم احترام القوانين المعمول بها في الجزائر، وعدم أخذ الدارسات بعين الاعتبار إذا وجدت طبعا، وأغلب الدراسات المنجزة سطحية لا يعطى الاهتمام لها، وغياب الاستشراف والنظرة لدى المسؤولين، حيث اقتصر الاهتمام فقط على حل الأزمات السكنية، وسياسة الهروب إلى الأمام ريّفت المدن الجزائرية وقضت على مكتسباتها ومدخرتها من المساحات الخضراء والحدائق العامة وأصبح المنظر العام للمدن مشوها باستثناء ما تبقى من إرث قديم يعود إلى الحقب الاستعمارية.

الداخلية تأمر بإنجاز مخطط أخضر حضري لإعادة الروح للمدن

أمرت وزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية، خلال الفترة الأخيرة، ولاة الجمهورية بإعداد المخطط الأخضر الحضري، الخاص بتطوير وتوسعة المساحات الخضراء بالولايات، وذلك بالتنسيق مع جميع الفاعلين بالولايات وتشكيل لجان متابعة محلية ورفع تقارير دورية للوزارة لمتابعة العملية، حيث شددت على تنفيذ برنامج واسع النطاق لتسيير وحماية وتطوير المساحات الخضراء، مؤكدة على الدور الكبير للمساحات الخضراء كجزء أساسي في الإطار المعيشي، مسجلة بأن الوضعية الحالية للمساحات الخضراء في الجزائر تمثل 1 متر مربع لكل مواطن، فيما تحدد المعايير الدولية حصة هذه المساحات بـ10 أمتار مربع لكل مواطن.

وأشارت الداخلية أنه بالنظر إلى الحالة التي تشكو منها المساحات الخضراء في المدن عبر التراب الوطني، أصبح من الضروري وضع مقاربة جديدة قادرة على إزالة العقبات التي حالت، إلى غاية الآن، دون تنفيذ إستراتيجية محكمة للمساحات الخضراء، وأضافت أن عملية تحديد المساحات الخضراء تتطلب تصورا شاملا للتنمية المحلية المستدامة، ترتكز على تزيين المدينة وتنمية جاذبيتها وتحسين جودة الإطار المعيشي الحضري للمواطن.

كما دعت الولاة والولاة المنتدبين ورؤساء الدوائر ورؤساء المجالس الشعبية البلدية، إلى السهر على إعداد المخطط الأخضر الحضري الولائي، الذي يعتبر ورقة طريق، وذلك من خلال دراسة دقيقة لوضعية المساحات الخضراء وتحديد طبيعة ونوعية كل منها، مع جرد شامل لها ووضع برنامج محكم ومستدام لإعادة تهيئة وصيانة المساحات الخضراء، فضلا عن تعريف وإحصاء القطع الأرضية العمومية التي يمكن تهيئتها وفتحها أمام الجمهور، إلى جانب وضع برنامج لإنشاء مساحات خضراء جوارية.

وأشارت فيما يتعلق بتمويل هذه العملية الخاصة بالمساحات الخضراء التي تكون عن طريق تركيبة مالية، وقيام البلديات بتخصيص ورصد ميزانية سنوية لتنفيذ المخطط، داعية إلى إشراك جميع الفاعلين في العملية والتواصل والتنسيق مع الخبراء والمختصين في المجال، على أن يتم استحداث مسابقة وطنية بين البلديات والأحياء في إطار المدينة الخضراء. والإعلان عن الفائزين بتاريخ 5 جوان من كل سنة.

وسام.كوداش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: