“أميار” ومنتخبون قادهم فسادهم إلى السجن؟

0 8٬811

يكاد يمر يوم تقريبا إلا ونسمع ونقرأ ونشاهد خبرا عن قضية فساد أبطالها أميار ونواب رؤساء هذه البلدية أو تلك، انتهت بهم الحال إلى السجن لاقترافهم جرائم في أثناء أداء مهامهم، حيث تنوعت قضايا فسادهم لتشمل دفع رشاوى مالية من كل صنف ولون، وغسل أموال وتزويرا واختلاسا وخيانة الأمانة والإخلال بالواجبات الوظيفية واستغلال النفوذ لتحقيق مصالح شخصية وكسب مال غير مشروع، كما تزايد معها عدد الشكاوى والتحقيقات الموسعة التي باشرتها السلطات المختصة مع هؤلاء، وخلال التقرير التالي ترصد “الإخبارية” أبرز جرائم الفساد التي حاصرت آلاف “الأميار” وحاشيتهم ممن عجزوا عن تسيير أمور البلاد والعباد وقادتهم من كرسي الحكم إلى زنزانات السجن.

لم تكتف السجون في الجزائر باستقبال كبار المسؤولين الفاسدين من الوزراء والولاة ورجال الأعمال وغيرهم، ممن انتهى بهم المطاف وراء القضبان لإدانتهم في وقائع فساد ارتكبت في أثناء حكمهم، بل تأهبت أيضا لاستقبال عدد آخر من “الحيتان الصغرى”، حيث كان رؤساء الجمهورية قد باشروا قبل مدة “حراكهم” لتوقيف العشرات من الأميار ومنتخبي المجالس البلدية عن مهامهم بسبب متابعتهم قضائيا في ملفات تتعلق بالفساد وإبرام صفقات مشبوهة واستغلال النفوذ، في حين لا تزال الأجهزة الأمنية في العديد من الولايات تباشر تحقيقاتها بشأن العديد من القضايا.

أميار في قلب فضيحة “قفة رمضان”

أعلنت السلطات العليا بالبلاد عن فتح تحقيقات في فساد طال توزيع “قفة رمضان”، ويأتي التحرك هذا عقب نشر سلسلة فضائح وتقارير كشفت تلاعبا في توزيع الإعانات عبر تضمينها مواد غذائية رديئة، فضلا عن فساد مالي متكرر عبر تضخيم قيمتها بالتواطؤ بين تجار ومسؤولين في البلديات، ومن بين رؤساء البلديات الذين تسببت “قفة رمضان” في الزج بهم في السجن نذكر على سبيل المثال مير سابق لبلدية باب الوادي بالعاصمة وعددا من أعضاء مجلسه، حيث واجهوا تهما عديدة شملت التلاعب بمنحة توزيع قفة رمضان لآلاف العائلات بينها من تم تكرار اسمها في قائمة المستفيدين، مع اكتشاف وجود متوفين ضمن القائمة إضافة إلى المنحة المتعلقة بالموظفين الممنوحة لمئات من عمال البلدية.

وفي السياق ذاته، أصدرت محكمة تبسة حكما بالحبس النافذ لمدة سنتين في حق “مير” بلدية بئر العاتر إثر تورطه في قضية اختلاس مبلغ 600 ألف دينار كانت مخصصة لاقتناء المئات من قفف رمضان، كما تم إيداع متهمين الحبس المؤقت من بينهم رئيس بلدية غليزان مع أكثر من 60 شخصا منهم منتخبون وموظفون ببلدية غليزان ومقاولون للسبب نفسه، والشأن ذاته ينطبق على أحد أميار بلدية خنشلة الذي أدين بالسجن عن تهمة استغلال المنصب والحصول على مزايا غير مستحقة وتبديد أموال عمومية في قضية تتعلق بالقفة ذاتها، كما طاردت القفة ذاتها أميار الونزة بتبسة وأم الدروع بالشلف وماسري بمستغانم والبوني بعنابة.. والقائمة طويلة.

اتهامات الرشوة تلاحق عديد “الأميار”

شهدت السنوات الماضية تكرار وقائع القبض على عدد من الأميار في معظم ولايات الوطن بتهمة الرشوة، حيث كان أبرزها القبض على رئيس بلدية الرايس حميدو السابق بالعاصمة متلبسا بتلقي رشوة طلبها من أحد المواطنين مقابل تجديد رخصة بناء، حيث وبعد نصب كمين محكم ضبطته مصالح الأمن متلبسا بالتهمة بالقرب من منزله وهو يقبض رشوة طلبها من مواطن مقدرة بـ 80 مليون سنتيم مقابل تجديد رخصة بناء، وكان صاحب الرشوة بحسب ما توصلت إليه التحقيقات هو الأمين العام لصندوق تعاونية عقارية يقع مقرها بمنطقة ميرامار، وقادت التحقيقات إلى أن الرشوة كانت مقابل قيام “المير” بتجديد رخصة بناء بالنظر إلى إصدار عدة قرارات من الولاية بهدم بناية التعاونية العقارية لعدم استيفائها الشروط ليتم التماس في حقه السجن 7 سنوات.

وفي واقعة أخرى تعود حيثياتها إلى إيداع تاجر من بلدية أولاد منديل بالدويرة، طلب كراء محل من السوق الجوارية بحي الدابوسي، غير أن المسؤولين بالبلدية ترقبوا عملية حصول هذا التاجر على العقار، وطلبوا منه رشوة بقيمة 80 مليون سنتيم، وهو الأمر الذي جعل التاجر يتوجه إلى مصالح الأمن أين رسم شكوى بالواقعة، وتم فتح تحقيق معمق في القضية ووضعت خطة محكمة للإيقاع بالمتهمين، واتفقت مصالح الأمن مع الضحية لمساعدتهم لنصب كمين للمير، ليتبين تورط نائبين آخرين بالمجلس ورئيس المصلحة التقنية.

ومن بين الأميار الذين لاحقتهم اتهامات الرشوة مير بلدية عين البنيان غرب العاصمة رفقة 3 من موظفيه، قاموا بابتزاز سيدة بالطلب منها مبلغ 20 مليون سنتيم كرشوة مقابل بيع لها بيت فوضوي في أحد الأحياء، غير أن تحريات الضبطية القضائية مكنت من فضحهم والقبض عليهم متلبسين بتلقي الرشوة، فضلا عن رؤساء ونواب بلديات كل من بلخير بقالمة وعين أفرص بمعسكر وسيدي عامر بالمسيلة وعين البيضاء بأم البواقي..

التلاعب بالسكنات

لم يسلم معظم أميار بلديات الوطن من إعصار التحقيقات الأمنية والقضائية نتيجة تلاعبهم بقوائم السكن وطرق توزيعها، في انتظار ما هو أثقل بتحويل عدد آخر منهم دفعة واحدة على القضاء، حيث فتحت المصالح المختصة تحقيقات أمنية معمقة في قضية التلاعب في حصص سكنية اجتماعية والتي أثارت الكثير من علامات الاستفهام، خاصة وأن من بين المستفيدين موتى وأشقاء وزراء سابقين وحتى عازبات في وقت تم إقصاء مستحقيها.

خلفيات جعلت الرئيس تبون يقيل عددا من المسؤولين المحليين بسبب التلاعب في إنجاز مشاريع بنية تحتية والتضليل، شملت رؤساء مقاطعات وبلديات تمت إحالتهم على التحقيق، ومسؤولين محليين عن قطاعات السكن والمياه والأشغال العمومية، بسبب ما وصفته الرئاسة بالخيانة للأمانة وتلاعبات وقعت في إنجاز مشاريع خاصة بمناطق الظل الفقيرة.

وفي السياق، تورط أحد رؤساء بلدية الحراش سابقا، في تحرير شهادة إيواء لمواطن غير مقيم بالبلدية حتى يستفيد من سكن اجتماعي في الوقت الذي والده يملك عدة عقارات، القضية التي كلفته عقوبة عامين حبسا نافذا وغرامة بقيمة 100 ألف دج.

ومن الأمثلة، تسليط عقوبة السجن لمدة 5 سنوات في حق أصغر مير في تاريخ بلدية قسنطينة بتهمة تزوير محررات رسمية وتحرير رخص بناء 32 بناية من نوع فيلا داخل منطقة انزلاقات، رغم أن دراسة تقنية كانت قد رفضت منح الترخيص لإنجاز هذا المشروع الترقوي، كما تمت إدانة مير نقاوس بباتنة بـ 4 سنوات حبسا نافذا ونصف مليار غرامة، عن تهمة تتعلق بالتزوير في ملفات تسوية عقارات خاصة به وبأفراد من عائلته في حي رأس العين.

متابعة 7 أميار دفعة واحدة والتهم بالجملة

بلغ عدد رؤساء بلديات ولاية وهران وحدها القابعين في السجن سبعة، وذلك عقب توقيف رئيس بلدية مرسى الكبير في قضية تزوير بيانات قاعدية لسيارة مرسيدس، مرورا بإدانة 3 من رؤساء بلدية بئر الجير السابقين، ولم تتوقف القائمة عند هذه البلدية بل امتدت إلى سجن رئيس بلدية حاسي بونيف لاختلاسه 4 ملايير سنتيم عندما كان يعمل بمركز بريد زوية، إضافة إلى رئيس بلدية الكرمة المدان بعقوبة 8 سنوات سجنا نافذا عن تهم فساد واختلاس أموال عمومية وتبديدها بقيمة مالية تفوق 45 مليار سنتيم رفقة زوجته الثانية، ناهيك عن سجن رئيس بلدية السانيا رفقة شقيق اللواء هامل في قضية عقار تورط فيها المدير الولائي للأمن الوطني بوهران مراقب الشرطة، أما عن رؤساء البلديات الذين تم استدعاؤهم والتحقيق معهم فحدث ولا حرج يتقدمهم رئيس بلدية مسرغين في قضايا صفقات مخالفة للقانون، إضافة إلى سماع رئيس بلدية حاسي بونيف اللاحق وعدد من المنتخبين، والتحقيقات متواصلة حول شبكة نهب العقار الفلاحي والغابي بتورط منتخبين ببلديات العنصر وبوسفر الساحليتين، وتسبب الفساد في تعريض الخزينة العمومية لخسارة مبلغ يفوق 154 مليار سنتيم، جراء تورط هؤلاء الأميار والمنتخبين وبعض المسؤولين التنفيذيين في قضايا نهب العقار وتبييض الأموال وإبرام صفقات وهمية ومخالفة للتشريع وتضخيم الفواتير، وهي الحصيلة المالية الثقيلة التي كشف عنها الأمن الولائي بخصوص سنة 2019 التي عرت المسؤولين الفاسدين، حيث تم بلغة الأرقام توقيف 40 شخصا متورطا.

من له الحق في توقيف رئيس البلدية الفاسد؟

وبالعودة إلى مادة من مواد قانون البلدية التي جاء فيها “يوقف بقرار من الوالي كل منتخب تعرض لمتابعة قضائية بسبب جناية أو جنحة لها صلة بالمال العام أو لأسباب مخلة بالشرف، أو كان محل تدابير قضائية لا تمكنه من الاستمرار في ممارسة عهدته الانتخابية بصفة صحيحة إلى غاية صدور حكم نهائي من الجهة القضائية المختصة”، وهي المادة التي تبقى محل تجاذب وتأويل من طرف الوصاية، يحدث هذا رغم برقية وزارة الداخلية والجماعات المحلية التي تحمل رقم 2271 بتاريخ 13 جوان 2019 والمتضمنة توقيف كل منتخب محل متابعة قضائية، لكن هذه البرقية والمادة 43 من القانون 10/11 سارية المفعول في ولايات دون أخرى وعلى منتخبين من الولاية نفسها دون غيرهم مما يطرح ثقافة أن القانون لا يسري على الجميع، وفي الموضوع، اعتبر النائب البرلماني عن كتلة “حركة مجتمع السلم” أحمد صادوق، أن القانون لا يسمح للوالي أو وزير الداخلية ولا حتى رئيس الجمهورية، توقيف منتخب أو رئيس بلدية إلا بناء على متابعة قضائية، بحسب ما تنص عليه مواد قانون البلدية والولاية، لأنه منتخب من الشعب وليس معينا من طرف الإدارة”.

أكثر من 1000 متابعة قضائية في حق الأميار سنة 2020

وبحسب لغة الأرقام فإن هناك نحو 1100 متابعة قضائية متنوعة بحق رؤساء بلديات من إجمالي 1541 مير يزاولون مهامهم، بحسب دراسة أعدها المحامي ورئيس مجلس شورى حزب جبهة العدالة والتنمية لخضر بن خلاف العام الماضي، فيما كشف عبد القادر بن معروف، رئيس مجلس المحاسبة عن إحالة 15 ملف اشتباه في وقائع فساد تورط فيها رؤساء البلديات إلى العدالة في السنة ذاتها، فيما أوقفت السلطات 25 رئيس بلدية أودعوا الحبس خلال 2020 وإدانة 150 آخرين، ويخضع هؤلاء للقانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته والذي يعاقب في المادة 25 من الباب الرابع بـ”الحبس من 2 إلى 10 سنوات وغرامة مالية من 200 ألف دينار إلى مليون دينار لكل موظف عمومي طلب أو قبِل بشكل مباشر أو غير مباشر مزية غير مستحقة سواء لنفسه أو لصالح شخص آخر لأداء الامتيازات غير المبررة في مجال الصفقات العمومية”، بالإضافة إلى المادة 26 من قانون العقوبات والتي تنص على أنه: “يعاقب بالحبس من 2 إلى 10 سنوات وبغرامة مالية من 200 ألف دينار إلى مليون دينار كل موظف عمومي يقوم بإبرام عقد أو يؤشر أو يراجع عقدا أو اتفاقية أو صفقة أو ملحقا مخالفا للأحكام التشريعية والتنظيمية بغرض إعطاء امتيازات غير مبررة”.

قانون انتخابات الجديد لسد منافذ الفساد

وتوسعت دائرة محاربة الفساد في البلديات إلى تصديق الرئيس عبد المجيد تبون، على قانون انتخابات يعتمد القائمة المفتوحة لأول مرة، يهدف إلى سد كل منافذ المحاولات أمام تلاعبات كرسها قانون الانتخابات السابق، من شأنه إنهاء الفساد السياسي الذي طال انتخابات السنوات السابقة، والقائمة المفتوحة تسمح للناخب بترتيب المرشحين داخل القائمة الواحدة حسب رغبته، بخلاف المغلقة التي كانت تفرض عليه اختيار القائمة كما هي، ووفق الترتيب الذي وضعه الحزب دون التصرف في الترتيب، ووفق شهادات سابقة لقيادات حزبية ونيابية حوكمت في قضايا فساد ذات علاقة بالانتخابات، فإن المراتب الأولى في قوائم أحزاب كبيرة وخاصة، كانت تمنح مقابل “رشاوى”، حيث يضمن ذلك للمترشح دخول البرلمان أو رئاسة البلديات، وفي السياق، أكد محمد شرفي رئيس السلطة المستقلة للانتخابات بالجزائر، أن مشروع قانون الانتخابات سيضع حدا للفساد والرشوة والتزوير، كما يستهدف أساسا تمويل الحملة الانتخابية.

إلى ذلك، يجمع مواطنو العديد من بلديات الوطن على أن أغلب الأميار ضالعون في تهم فساد، فشلوا في تحقيق وعودهم الانتخابية التي تعهدوا بتجسيدها، متوعدين بإسقاطهم خلال المحليات القادمة ومؤكدين أن سيناريو 2017 لن يتكرر.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.