أي حراك يريدون؟ أهداف غامضة وخطاب عدمي وبدائل غائبة

0 6٬971

بينما عاد الرئيس عبد المجيد تبون إلى أرض الوطن بعد أزمة صحية صعبة، وبينما انطلقت المشاورات السياسية في إطار البحث عن خطوات للتهدئة وتجديد البرلمان والحكومة، وإعادة بعث حركية الاقتصاد التي تأثرت في البلاد جراء جائحة كورونا وتراجع أسعار النفط، تريد بعض الأطراف اليوم، مع حلول الذكرى الثانية للحراك الشعبي، الرجوع بنا إلى نقطة الصفر، عبر إعادة الخطاب العدمي نفسه الذي كان قبل عامين، من دون أي إبداع في الطرح أو قدرة على أنتاج الأفكار الخلاّقة.

وعليه، تجد الأصوات التي ارتفعت اليوم لإعادة بعث الحراك الجزائري من جديد، نفسها في ورطة حقيقية، في ظل غياب المرجعية الفكرية القادرة على جمع الجزائريين، وفي ظل غياب المشروع البديل عن النظام القائم رغم كل النقائص التي تحيط بأدائه، بل وفي ظل اختلاف جوهري في معطيات الواقع بين ظروف 22 فيفري 2019 والظروف الحالية، فالحراك الأصيل الذي اندلع ضد “خامسة” بوتفليقة، وضد طغيان الفساد وغياب مركز القرار، لا يمكن أن يتكرر اليوم عبر نسخة كاربونية ضمن إعادة رفع الشعارات القديمة نفسها، في ظل انتخاب رئيس جديد، لم يمض على حكمه أكثر من عام واحد، مضى معظمه في ظل ظروف استثنائية داخلية وخارجية في غاية الصعوبة.

والمثير في موضوع عودة الحراك من عدمه، خاصة بعد الذي حدث أخيرا في خراطة، ليس فقط الإيحاء المثير للريبة، حول ثنائية (الصومام/ خراطة) بكل مدلولات سرقة الثورات عندنا، وإنما هو في غياب الرؤية الواضحة الجامعة للشعب الجزائري حول أي حركة شعبية نريد وماهية أهدافها، فبعد مرور عامين من الانتفاضة على خامسة بوتفليقة، تغيرت معطيات كثيرة، وتبدلت قناعات أكثر، لكن بقيت الشعارات الفارغة نفسها (يتنحاو قاع)، دون تقديم أي بديل خارج دائرة المرحلة الانتقالية (الشيطانية)، وبقيت الوجوه نفسها المثيرة للريبة، والتي صنع منها الإعلام الموازي “أيقونات” للحراك، على الرغم أنها كانت تطرد شر طردة في بدايات الحراك الأصيل الأولى، وبقيت الرايات نفسها المفرقة لشمل الجزائريين، ومحاولات الاختراق السابقة ذاتها والتي تطورت أخيرا إلى العمل على “اختطاف” الحراك بشكل كامل، ونسبه إلى جهة واحدة من أرض الوطن دون بقية الجهات الأخرى.

 

والحقيقة أن حراكا لا يرفع مطالب وطنية جامعة، ولا يحدد مكمن الداء المتمثل في الوصاية الفرنسية، ودور “أولاد فرنسا” كما كان يصدح بها في الأول، ولا يعلن وقوفه مع الدولة الجزائرية بغض النظر عن الموقف من السلطة (إذ أن هناك فرقا كبيرا بين مفهوم الدولة والسلطة)، خاصة في القضايا الاستراتيجية مثل الموقف المشرف من التطبيع، ومن المؤامرات الخارجية وعلى رأسها التآمر المخزني المغربي على وحدة وسلامة الأراضي الجزائرية، ومن الدفاع عن وحدة وقوة الجيش الوطني الشعبي، ومن رفض أي شكل من أشكال التواجد للماك الانفصالي، لا يمكنه أن يقنع جميع الجزائريين بحسن نوايا الداعين إلى هكذا حراك بلا أهداف واضحة ولا بدائل صادقة.

والأسئلة التي ينبغي الآن طرحها في مثل هذا المقام، هل سيكون الحراك “المفترض” في صالح وحدة الجزائر واستقرارها وقوتها، أم سيكون أداة في أيدي قوى خفية لضرب هذه المكتسبات؟ وهل يستطيع المتحمسون للمغامرة أن يقدموا ضمانات حقيقية حول وحدة وسلامة الأراضي الجزائرية، وهم يتحالفون “تكتيكيا” مع قوى انفصالية على الأرض؟ وهل البدائل التي يتوهمونها لا تدخل الجزائر في سيناريوهات دول الربيع العربي التي أسقطت أنظمتها لتدخل في الخراب الكامل؟.

كل هذه الأسئلة تبقى للأسف بلا أجوية، من حراك بدأ عظيما، قبل أن ينتهي به المطاف وقد طال عليه الأمد، في أيدي مجهولة لا أحد يعلم أهدافها الحقيقية ولا من يحركها.

الأحزاب السياسية تؤكد على أفضلية الحوار الشامل على “حراك جديد”

أكدت الأحزاب السياسية، على ضرورة فتح حوار شامل، جاد ومسؤول، يشارك فيه الجميع دون إقصاء، من أحزاب، شخصيات، مجتمع مدني، ونشطاء الحراك، لحل كافة المشاكل التي يعيشها البلد، والبحث عن آليات يمكن من خلالها تحقيق شبه توافق وطني لتجسيد مطالب الحراك، داعين السلطة لوضع حكومة تستجيب لتطلعات الشعب الجزائري، لتفادي الخروج للشارع.

وأوضح في هذا السياق رئيس جبهة الجزائر الجديدة، جمال بن عبد السلام، خلال تصريح خص به يومية الإخبارية، أن الحراك الشعبي طالب بمجموعة مطالب أصبحت معلومة وواضحة، وعلى كل النشطاء السياسيين، العمل على تحقيق مطالب الحراك الشعبي المشروعة، والذي يتطلب حوارا وطنيا شاملا بين كل الجزائريين، لإيجاد الآليات لتحقيق طموحات الشعب الجزائري، مشيرا أن البعض غير مقتنعين بخصوص الخطوات التي بادرت بها السلطة لتحقيق المطالب وبالتالي هم يطالبون بالعودة للشارع للضغط على السلطة وتبني هذه المطالب وفرضها عن طريق الخروج للشارع مرة أخرى.

جمال بن عبد السلام: البعض يريد استغلال نقائص السلطة للعودة إلى الشارع

كما أبرز بن عبد السلام على ضرورة الحوار، الذي بادر به رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في لقاء بعض الأحزاب السياسية، على أن توسع دائرة المشاورات والاستماع إلى كل الآراء والبحث عن آليات من خلالها يمكن تحقيق شبه توافق وطني أو شبه إجماع لتجسيد مطالب الحراك الشعبي المعروفة.

وأشار رئيس جبهة الجزائر الجديدة، أن فتح الحوار الذي يجمع بين الأحزاب السياسية، والشخصيات، فعاليات المجتمع المدني ونشطاء الحراك، وكافة التشكيلات، يمكن أن يسهم في تقديم أفكار ومقترحات لصياغة مشروع وطني في هذا الشأن، مضيفا أن الأحزاب السياسية لا يمكنها أن تحقق وحدها كل المطالب المرفوعة.

وفي السياق نفسه صرح النائب عن جبهة العدالة والتنمية، لخضر بن خلاف في اتصال هاتفي ليومية الإخبارية، أن الحراك عندما خرج كانت مطالبه واضحة وهو إحداث التغيير وتوقيف الممارسات والسياسات الخاطئة التي اعتمدت من طرف السلطات خلال 20 سنة مضت والتي أوصلت البلاد إلى طريق مسدود في شتى المجالات، لكن بعد المسار الذي اعتمد والحكومة التي نصبت فيما بعد، فإن عموم مطالب الشعب الجزائري لم تحقق، والحكومة التي وضعت كانت من أسوأ وأفشل الحكومات في تاريخ الجزائر، رغم أنها كانت ترفع شعار الجزائر الجديدة إلا أنها قد أرجعتها إلى القرون الوسطى، وظهر فشلها في شتى المجالات، بالإضافة إلى جائحة كورونا التي أثرت على الوضع العام للبلاد، على غرار التدهور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
كما أكد البرلماني أن هناك تخبطا للسلطة من خلال تنظيم الانتخابات المسبقة، والتصريحات المختلفة، حيث أصبح الكثير من الأشخاص يتكلمون باسم السلطة، وهو ما يبين التخبط ويجعل عموم الشعب الجزائري يفكرون في حراك من جديد لتحقيق المطالب التي لم تتحقق من قبل، مؤكدا أنه على السلطة ومن أجل تفادي كل هذه الأمور تعيين حكومة تستجيب لتطلعات الشعب الجزائري، وتجسد مطالبه التي تتعقد يوما بعد يوم، حيث يبقى الآن الحراك الذي دستر في 2020 وسمي بالحراك المبارك، وسيلة من وسائل الضغط على السلطة لتحقيق مطالب الشعب.

الدعوة للحراك شيء والاستجابة شيء آخر والشعب لا يبدي اهتماما به حاليا

رغم أن غالبية الشعب الجزائري أكدت عدة مرات رفضها لما آل إليه الحراك في الفترة الأخيرة، والذي جسدته شعاراته التي لا تحوز على الرضا الشعبي، وتسببت منذ البداية في نفور المواطنين منه، إلا أن بعض الأصوات لا تزال تتمسك بها، وتطالب البقية بالسير وراءها، ما يجعل أي تحرك مستقبلي في حكم “الفاشل”، وهو الأمر الذي يؤكده العديد من الخبراء السياسيين والاقتصاديين.

وفي هذا السياق شدد الخبير السياسي، عبد الرحمن بن شريط، على ضرورة إعادة النظر في مصطلح “الحراك”، باعتباره ماركة مسجلة باسم 48 ولاية، وحركة عفوية من الشعب الجزائري ضد العهدة الخامسة، دون دفع من أي تشكيل حزبي، وهو ما يجعلها مختلفة كليا عن المسيرات والحركات الحالية.

عبد الرحمن بن شريط: يجب إعادة النظر في وصف المسيرات الحالية بـ”الحراك”

كما أكد بن شريط بخصوص استجابة المواطنين لدعوات الخروج، بأن “الدعوة للحراك شيء والخروج إليه شيء آخر، مفيدا بأن الشارع حاليا لا يساند عودة الحراك أو المسيرات ولا توجد بوادر تؤكد إمكانية عودته، مشيرا إلى أن إخراج الناس يتطلب جهدا وإرادة كبيرين من طرف المؤطرين للمسيرات وهذا يطرح الكثير من الاستفهامات حول جدواه والغاية منه.

وجدد الخبير السياسي التأكيد على أن الكل يعلم بأن الظرف غير مناسب لمثل هذه التحركات، والدولة بحاجة إلى رص الصفوف وتأجيل الخلافات الداخلية والمطالب وكذا بعض الأجندات المسطرة، مردفا “عندما يتفهم الشارع السلطة ويعطيها مهلة لإنجاز وعودها سيجعل خروجه مستقبلا قويا وأكثر فعالية أما تسرع البعض دون البعض الآخر فسيضعف الحراك نفسه ويتسبب في إفشاله”.

وشدد المتحدث ذاته على أن أي حركة شعبية “إما أن تكون مثل حراك 22 فيفري أولا تكون”، مشيرا إلى أن ما حدث بعد الخروج العفوي للشعب كان اختراقا وأدلجة للمسيرات الأمر الذي تسبب في نفور الشعب منه وإفقاده “زخمه”.

كروش: الشعب أصبح واعيا ولن يستجيب لدعوات العنف في المسيرات

أكد الخبير الأمني والمراقب الدولي السابق في بعثة الأمم المتحدة للسلام أحمد كروش أن مسببات خروج الجزائريين إلى الشارع يوم 22 فيفري غير موجودة، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن الأمور لم تسر كما كان مسطرا لها وكما كان يعول عليها خاصة بعد انتشار وباء كورونا الذي حال دون حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية.

قال كروش في تصريح خص به الاخبارية أنه لو نقارن الأوضاع السياسية التي خرج من أجلها الشعب سنة 2019 والأوضاع الحالية نجد أنها مغايرة، مشيرا إلى أنه خرج الشعب آنذاك الى الشارع من أجل المطالبة بحقوق سياسية، ففي تلك الفترة الرئيس السابق كان مقعدا ولمدة أكثر من 5 سنوات لم يراه الشعب ولم يسمع صوته، وكانت هناك مجموعة أخرى من السلطة هي التي كانت تسير البلاد، كما أن الرئيس بوتفليقة أراد إعادة انتخابه لعهدة خامسة فخرج الشعب الجزائري ليقول لا للعهدة الخامسة و لا للتمديد.

وأضاف المتحدث ذاته في السياق ذاته أن الجزائريين في كل بلديات الوطن من كل الاطياف ومن كل المستويات خرجوا بصوت واحد وشعار واحد لا للتمديد ولا للتأجيل ولا للعهدة الخامسة ويطالبون بإصلاحات سياسية حقيقية يكون فيها للشعب صوته، الشعب هو الذي يختار الرئيس، وهذه هي الحقوق السياسية التي خرج من أجلها الشعب ويطالب بها.

وأكد الخبير الاستراتيجي أن اليوم الوضع مختلف تماما فالجزائر لها رئيس شرعي منتخب، وهناك إصلاحات طالب بها الشعب منها تغيير حقيقي في الممارسات السياسية، والآن نشهد ورشات لتحضير قوانين عضوية كذلك إنجاز دستور كان يطالب به الشعب تكون فيه حريات كافية للشعب الجزائري ويوازن بين السلطات ويعطي استقلالية للعدالة.

ولفت الخبير الأمني أن مسببات خروج الجزائريين إلى الشارع يوم 22 فيفري 2019 غير موجودة وغير متوفرة والشعب الجزائري يدرك ذلك، منوها بأن الأمور لم تسر كما كان مسطرا لها وكما كان يعول عليها على أساس معيقات أخرى خارج عن أرادة أي إنسان وهو مشكل وباء كورونا الذي أصاب العالم بأسره وأغلق الحدود وأفسد التجارة العالمية، وأثر كثيرا على الاقتصاد الوطني بصفة عامة كما أثر على مدخول الأفراد، وعلى كل الحياة العامة في الوطن وخارج الوطن.

وأشار المراقب الدولي السابق في بعثة الأمم المتحدة للسلام إلى أن هناك مطالبات اقتصادية واجتماعية لكن هل يكون خروج الجزائريين والجزائريات ضد كورونا فما هي الشعارات التي سيرفعها الذين يريدون الخروج يوم 22 فيفري. فالطلبات السياسية على حد تعبيره تتحقق وبطريقة جيدة أما المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، يضيف، أعتقد أنها ليست لفشل الحكومة بل ناتجة عن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

وأكد كروش أن الشعب الجزائري أصبح واعيا ويعرف كل ما يحيط به وما يحاك ضده وما ينصب للجزائر، مشيرا إلى أن الجزائر مستهدفة من أعدائها نظرا لمواقفها السياسية الدولية ودعمها للشعوب المظلومة والتي تعيش تحت الاستعمار والتي تطالب بحقوقها السيادية خاصة القضيتين الفلسطينية والصحراوية إلى غير ذلك.

ولفت محدثنا أن الطبقة المثقفة للأسف هي الغائب الأكبر في هذا الميدان ولم تستطع قيادة الحراك في 2019 ولم تستطع تنظيم صفوفها لإخراج قيادة للحراك، مشيرا إلى إلى النتائج المبهرة التي حققها الحراك في 2019 بتغيير النظام بطريقة سلمية أبهرت العالم وأصبحت نموذجا ومحل افتخار للشعب الجزائري ومحل تقدير لكل شعوب العالم، فالشعب الجزائري استطاع الوصول إلى التغيير دون إراقة قطرة دم واحدة.

ونبه كروش أن الطبقة السياسية غائبة لم تستطع تأطير المجتمع، مشددا على أنه يجب على كل واحد أن يقوم بدوره بشرح للرأي العام الأشياء التي يجب أن يطالب بها وما هي المؤامرات التي تحاك ضده وما هي الفخاخ التي تنصب له.

واستبعد الخبير الأمني حدوث الشغب في أي مسيرات مقبلة، مشيرا إلى أن الشعب أصبح أوعى من أي وقت مضى، ولا يستجيب لمثل تلك الدعوات المغرضة، لافتا أنه ربما يكون هناك مندسون، مشددا على أن أجهزة الأمن وكذلك اليقظة الشعبية لن تترك لهم فرصة العبث بالأمن، مردفا “لقد حاولوا خلال حراك 22 فيفري تحويل مساره السلمي لكنهم فشلوا في تحقيق أي نتيجة”.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.