أُمُّ سَلَمَةَ رَضي الله عنها (2)

0 603

سرعان ما اكتشف العائدون أن ما نمي إليهم من أخبار كان مبالغاً فيه، وأنَّ الوثبة التي وثبها المسلمون بعد إسلام حمزة وعمر، قد قوبلت من قريش بهجمةٍ أكبر.
فافتنَّ المشركون في تعذيب المسلمين وترويعهم، وأذاقوهم من بأسهم ما لا عهد لهم به من قبل.
عند ذلك أَذِن الرَّسول صلوات الله وسلامه عليه لأصحابه بالهجرة إلى المدينة، فعزمت أمُّ سلمة وزوجها على أن يكونا أوَّل المهاجرين فرارًا بدينهما وتخلُّصًا من أذى قريشٍ.
لكنَّ هجرة أمِّ سلمة وزوجها لم تكن سهلةً ميسرةً كما خيِّل لهما، وإنما كانت شاقةً مرَّةً خلَّفت وراءها مأساةً تهون دونها كلُّ مأساةٍ.
فلنترك الكلام لأمِّ سلمة لتروي لنا قصَّة مأساتها …
فشعورها بها أشدُّ وأعمق، وتصويرها لها أدقُّ وأبلغ.
قالت أمُّ سلمة:
لما عزم أبو سلمة على الخروج إلى المدينة أعدَّ لي بعيراً، ثمَّ حملني عليه، وجعل طفلنا سلمة في حجري، ومضى يقود بنا البعير وهو لا يلوي على شيءٍ.
وقبل أن نفصل عن مكَّة؛ رآنا رجالٌ من قومي بني «مخزوم» فتصدَّوا لنا وقالوا لأبي سلمة:
إن كنت قد غلبتنا على نفسك، فما بال امرأتك هذه؟! …
وهي بنتنا، فعلام نتركك تأخذها منَّا وتسير بها في البلاد؟!.
ثمَّ وثبوا عليه، وانتزعوني منه انتزاعًا.
وما إن رآهم قوم زوجي بنو «عبد الأسد» يأخذونني أنا وطفلي، حتَّى غضبوا أشدَّ الغضب وقالوا:
لا والله لا نترك الولد عند صاحبتكم بعد أن انتزعتموها من صاحبنا انتزاعًا …
فهو ابننا ونحن أولى به.
ثمَّ طفقوا يتجاذبون طفلي سلمة بينهم على مشهدٍ مني حتَّى خلعوا يده وأخذوه.
وفي لحظات وجدت نفسي ممزقة الشمل وحيدةً فريدةً:
فزوجي اتَّجه إلى المدينة فرارًا بدينه ونفسه …
وولدي اختطفه بنو «عبد الأسد» من بين يديَّ محطَّماً مهيضًا …
أمَّا أنا فقد استولى عليَّ قومي بنو «مخزوم»، وجعلوني عندهم …
ففرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني في ساعةٍ.
ومنذ ذلك اليوم جعلت أخرج كلَّ غادة إلى الأبطح، فأجلس في المكان الذي شهد مأساتي، وأستعيد صورة اللَّحظات التي حيل فيها بيني وبين وولدي وزوجي، وأظلُّ أبكي حتَّى يخيِّم عليَّ اللَّيل.
وبقيت على ذلك سنةً أو قريبًا من سنةٍ إلى أن مرَّ بي رجلٌ من بني عمي فرقَّ لحالي ورحمني وقال لبني قومي:
ألآ تطلقون هذه المسكينة!! فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها.
وما زال بهم يستلين قلوبهم ويستدرُّ عطفهم حتَّى قالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت.
ولكن كيف لي أن ألحق بزوجي في المدينة وأترك ولدي وفلذة كبدي في مكَّة عند بني «عبد الأسد»؟!.
كيف يمكن أن تهدأ لي لوعةٌ أو ترقأ لعيني عبرةٌ وأنا في دار الهجرة وولدي الصَّغير في مكَّة لا أعرف عنه شيئًا؟!!.
ورأى بعض النَّاس ما أعالج من أحزاني وأشجاني فرقَّت قلوبهم لحالي، وكلَّموا بني «عبد الأسد» في شأني واستعطفوهم عليَّ … فردُّوا لي ولدي سلمة.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.