جزائريون يفتحون قلبهم لـ”الإخبارية” ويكشفون صفحات ذاكرتهم معها.. “المعريفة” الخنجر السام الذي قضى على آمال “الزوالية”؟

0 4٬770

إن إصلاح العلاقة بين الإدارة والمواطن في الجزائر محور كثير ما سمعنا أنه حظي بالأولوية عند المسؤولين الجزائريين، حيث أعطيت في هذا الصدد أوامر لمسؤولي وموظفي الإدارات العمومية عبر الوطن للتكفل بانشغالات المواطن والإصغاء إليه دون تمييز، غير أنه لم يعد يصعب على أي مواطن جزائري أن يلامس الأوضاع البيروقراطية السيئة التي تسيطر بقوة على الإدارة الجزائرية خاصة منها الجهوية والمحلية، كما يمكن ملامسة هذه الحقيقة من خلال بعض المعاملات البسيطة التي تعطي صورة تقريبية لتحكم “المعريفة” وسيطرتها، إذ أصبح التعامل معها يتطلب صبر أيوب وأحيانا مال قارون، حيث أن أي قرار إداري يحتاج من المواطن الوقت والصبر والمال بسبب “المعريفة” التي أصبحت تطبع بعض الإدارات الجزائرية، وهو ما يجعل المواطن في حالة من القلق والقنوط وأحيانا في حالة من التيه، وهو ما وقفت عنده “الإخبارية” في هذا الربورتاج.

سفيان.س

واستطلاعا لآراء المواطنين حول الموضوع نزلت “الإخبارية” إلى الشارع والتقت مع عدد منهم، حيث أجمعوا على أن “المعريفة” التي اتخذت ألفاظا كثيرة للتداول مثل “الكتاف، البيسطو، المحسوبية والواسطة..”، تنتشر في معظم الدول الشمولية عديمة الشفافية، وهو رأي صالح الذي تساءل قائلا “من منا تتاح له فرصة لقضاء حاجة من حوائجه أو الوصول إلى هدف أراده عن طريق المحسوبية ويعزف عنها؟” مضيفا أن الأمر “يجب أن يكون ثقافة وأخلاق فالكلام سهل لكن التطبيق قليل ولخاف ربي حقا قليل”.

أما رابح وهو عامل في مؤسسة عمومية راح يقارن الوضع في الجزائر بما هو موجود عند باقي الدول مصرحا “المعرفية والمحسوبية في الخارج لي يغلط يخلص لكن جذورها هنا عندنا ترعرعت بيننا…مانغطوش الشمس بالغربال حتى لحق مواطن يحبلوا حتى يأخذ موعد مع رئيس البلدية”، ليقاسمه آخر الرأي بالقول “معظم المسؤولين تحصلوا على مناصبهم عن طريق المعريفة الرشام حميدة واللعاب حميدة. لا يوجد مسؤول لا يتوسط من أجل أقاربه”.

فيما أكدت صبيحة التي تشغل موظفة في البلدية أنها عرفت معنى الغش والمعريفة ابتداء من الجامعة ثم بالمراحل الأخرى مثل الشغل السكن الصحة وغيرهم، من جهته وبتحسر شديد فتح الشاب عماد صفحات ذاكرته مع رحلة البحث عن وظيفة قائلا “أنا اشتغلت في شركة خاصة وهضموا حقي في التقاعد فطلبوا مني وساطة أو رشوة لاسترجاع حقوقي لكن الحمد لله فلا مرة في حياتي استنجدت بوسيط بل وكلت مولانا سبحانه”.

اعتراف رسمي

وفي شق متصل، وفي العديد من المناسبات، فضح الديوان الوطني للإحصاء ـ وهو هيئة تابعة للدولة ـ حول العمل في الجزائر في معظم تقاريره التي يعدها، فشل السياسة الوطنية للتشغيل القائمة على امتصاص نسبة البطالة من خلال استحداث آليات توظيف جديدة، وكذا الدور الذي تلعبه وكالات التشغيل في تمكين المواطنين من الحصول على مناصب عمل دائمة، مبينا عجز هذه الوكالات عن أداء دورها، حيث أنها لا تساهم في توظيف اليد العاملة سوى بنسب ضئيلة، كما أصدر الديوان ذاته دراسة قال فيها “إن ما يزيد عن 74 بالمائة من العمال والموظفين في مختلف القطاعات والمؤسسات العمومية في البلاد، تم توظيفهم عن طريق المحسوبية و”المعريفة” أو ما يسمى “لكتاف”.

وفي المقابل تلعب “المعريفة” أو العلاقات الشخصية والعائلية الدور الرئيسي في عملية التوظيف، إذ أن أكثر من ثلث العاملين في مناصب مستقرة تمكنوا من الحصول عليها بواسطة “المعريفة”، كما أن الشهادة الجامعية تساهم في حصول طالب العمل على وظيفة تحفظ ماء الوجه بنسبة قليلة جدا، حتى ولو تنافت مع ما تلقنه الجامعات من علوم ومهارات.

“المعريفة” تعدي على مبدأ العدالة والمساواة بين المواطنين

وحسب رأي بعض الأئمة في اتصال هاتفي لـ”الإخبارية” فالواسطة التي تؤكل بها حقوق الآخرين وتعتدي على مبدأ العدالة والمساواة بين المواطنين، فهي شكل من أشكال الفساد، ولون من ألوان الظلم الاجتماعي الذي حرمه الله عز وجل، حيث قال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي إِني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا..) رواه مسلم.

أما حسب تحليل المختصين النفسانيين تؤكد الدكتورة فايزة يخلف الأستاذة الجامعية بكلية الاعلام والاتصال الجزائر 3 لـ”الإخبارية” أن الحصول على الوظيفة يعد أمرا يتشوف إليه الناس ويحرصون عليه، فلا يجوز التعدي عليه بالواسطة والمحسوبية والعلاقات الشخصية، لأن ذلك يؤدي إلى ضياع الحقوق وأكل أرزاق الناس، وينبغي أن يكون الحصول على الوظائف منضبطا بمعايير واضحة وصحيحة محققة للنزاهة والشفافية، مضيفة أن هذه المعايير ترجع إلى الكفاءة والقدرة على الإنجاز، مع مراعاة الأمور الخاصة بكل وظيفة لأن للواسطة والمحسوبية أثرا سلبيا كبيرا على المجتمع، فهي تؤدي إلى الفساد المجتمعي والترهل الإداري، إذ يسود عندئذ الشعور بالظلم، فيؤدي ذلك إلى قلة الإنتاج وانعدام الكفاءة، وشيوع أخلاق النفاق والكذب، بل قد يؤدي ذلك إلى ممارسات وأفعال غير مقبولة، كالسرقة والنهب والرشوة والتعدي على المال العام والخاص، تختم يخلف.

السجن 10 سنوات لمن يعين شخصا بـ”المعريفة”

من جهتهم، يؤكد خبراء القانوني والدستوري أن القانون الجزائري يجرم فعل المحسوبية، باعتبارها عملية سلب حقوق البعض ممن تتوفر فيهم شروط التعيين ومنحها لأشخاص غير أكفاء، مشيرين إلى المادة 33 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته تحت عنوان “سوء استغلال الوظيفة” والتي مفادها أنه يعاقب كل مسؤول يعين شخصا على أساس القرابة أو الولاء أو العرش، كونه قام بعمل مخالف للقانون أثناء ممارسته للوظيفة، ويصنفها القانون الجزائري على أنها جريمة سوء استغلال الوظيفة ويعاقب عليها القانون لمدة 10 سنوات حبسا، وفضلا عن دلك فإن المحاكم الجزائرية شهدت الكثير من مثل هذه القضايا، بعد أن سجلت قضايا تتعلق بالتلاعبات الحاصلة في ملفات التوظيف والطرق غير القانونية التي استخدمت.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.