الشيعة

0 885

نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية (1)

معنى نزعة التشيع

يقابل الباحث في الشيعة والتشيع مصطلحات تحتاج إلى تحرير وتمييز، ذلك أن مصطلح الشيعة مرّ بعدة مراحل، تطور المفهوم خلالها من مسمى لم يكن يعد قصد أصحابه تفضيل بعض الصحابة على بعض مع الاحتفاظ لهم بالمحبة وسلامة الصدر، إلى مفهوم عقدي ومذهبي لم يكتف منتحلوه بمسألة الاختلاف بالتفضيل بين عثمان وعلي رضي الله عنهما، بل إلى اعتبار علي وصي رسول الله وهو الأجدر والأحق بالخلافة من أبي بكر وعمر فضلا عن عثمان، بل غالى بعض أصحاب هذه النزعة إلى اعتبار الخلفاء قبله مغتصبين للخلافة، ومن لم ير ذلك من الأصحاب فهو متهم في دينه مختل في عقيدته، ومن هنا انتحلت الروايات في انتقاص الصحابة، والتجني عليهم، في الوقت الذي انتحلت فيه روايات أخرى مبالغة في وصف علي ووصفه بما لا يرضى أن يوصف هو به. وعلى ذلك فالشيعة الأولى مصطلح لا يدخل فيما نحن بصدده وحتى نميزه عن غيره نعرف به ونحدد المقصود منه.

الشيعة الأولى:

جاء في (صحيح البخاري) – في كتاب الجهاد – ” عن أبي عبد الرحمن وكان عثمانياً، فقال لابن عطية وكان علوياً: إني لأعلم ما الذي جرّأ صاحبك- يعني علياً – على الدماء … إلخ”.

قال الحافظ في الفتح معلقاً: وقوله ” وكان عثمانياً ” أي يقدم عثمان على علي في الفضل، وقوله ” وكان علوياً ” أي يقدم علياً في الفضل على عثمان وهو مذهب مشهور لجماعة من أهل السنة بالكوفة.

وقال ابن عبد البر – رحمه الله –: ” وقف جماعة من أئمة أهل السنة والسلف في علي وعثمان – رضي الله عنهما – فلم يفضلوا أحداً منهما على صاحبه منهم مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان،وأما اختلاف السلف في تفضيل علي فقد ذكر ابن أبي خيثمة في كتابه من ذلك ما فيه كفاية، – ثم نقل ابن عبد البر إجماع عامة أهل السنة على تفضيل عثمان فقال: وأهل السنة اليوم على ما ذكرت لك من تقديم أبي بكر في الفضل على عمر، وتقديم عمر على عثمان، وتقديم عثمان على علي، وعلى هذا عامة أهل الحديث من زمن أحمد بن حنبل إلا خواص من جلّة الفقهاء وأئمة العلماء فإنهم على ما ذكرنا عن مالك ويحيى القطان وابن معين، فهذا ما بين أهل الفقه والحديث في هذه المسألة،وهم أهل السنة، وأما اختلاف سائر المسلمين في ذلك فيطول ذكره، وقد جمعه القوم

وهذا الذي ذكره ابن عبد البر عن مالك في تقديم علي على عثمان ذكر ابن تيمية رحمه الله رواية أخرى عنه تخالفه، حين نقل ما استقر عليه أهل الحديث وأئمة الفقه في ذلك فقال: ” وأما جمهور الناس ففضلوا عثمان، وعليه استقر أمر أهل السنة،وهو مذهب أهل الحديث، ومشايخ الزهد والتصوف، وأئمة الفقهاء كالشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وأبي حنيفة وأصحابه، وإحدى الروايتين عن مالك وأصحابه، قال مالك: لا أجعل من خاض في الدماء كمن لم يخض فيها، وقال الشافعي وغيره إنه بهذا قصد والي المدينة الهاشمي، ضرب مالك، وجعل طلاق المكره سببا ظاهرا

كما نقل عن ” مالك ” – رحمه الله – رأياً ثالثاً يفيد توقفه وعدم تفضيل أحدهما على صاحبه وهو الذي حكاه ابن القاسم عن مالك عمن أدركه من المدنيين.

ويحدد ابن تيمية مصطلح الشيعة الأولى ورأيهم في تقديم الصحابة فيقول: وكانت الشيعة الأولى لا يشكون في تقديم أبي بكر وعمر، وأما عثمان فكثير من الناس- يقصد من هؤلاء- يفضل عليه علياً، وهذا قول كثير من الكوفيين وغيرهم، وهذا القول الأول للثورى ثم رجع عنه… وأما جمهور الناس ففضلوا عثمان وعليه استقر أمر أهل السنة… قال أيوب السختياني: من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار “.

وبعد أن ينقل ابن تيمية في الفتاوى استقرار أمر أهل السنة على تقديم عثمان يشير إلى أن هذه المسألة الخلافية ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي مسألة الخلافة.

وهو بهذا يؤكد الفرق الذي أشرنا إليه آنفاً، ويحدد مصطلح التشيع الذي نريد أن نتحدّث عنه كنزعة مذهبية كان لها أثرها في الكتابة التاريخية، فمتى نشأت هذه النزعة وما هو أثرها؟

أثر النزعة المذهبية

تشكل النزعة المذهبية – أيًّا كانت – مورداً من موارد الزلل والتحريف وتعد واحدة من أبرز أسباب الكذب في التاريخ، وكيف لا يكون ذلك كذلك وصاحب النزعة إنما يحاول بشكل إرادي أو لا إرادي أن يفسر الحدث وفق مشربه، ويصور الأمور كما يشتهي ويعتقد.

ولقد تطرق ابن خلدون – رحمه الله- في مقدمته للكذب في الأخبار والأسباب المقتضية، فذكر – أول ما ذكر من ذلك – النزعة للمذهب والتشيع للآراء فقال: ” ولما كان الكذب متطرقاً للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه، وإنما التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهله، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها من الانتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.