المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها (13)

0 3٬187

المرأة العربية في عهد جاهليتها (9)

نصيبها من الوجود

أقامت بلقيس في مُلكها خمسة عشر عاماً بلغت فيها من جلال الصَّوْلَةِ وكمال القوّة أنها ركبَت إلى سليمانَ صلوات الله عليه سار في رِكابها مائة ألف من أمراء اليمن.

أما وُفُور عقلها، ومَضَاءُ عزمها، وسَناء منزلتها، واستمكانها من نفوس رعيَّتها, فقد بلغ من أمره: أن سليمان عليه السلام حين أرسل إليها يُؤْذِنُها بدينه، ويدعوها إلى سُنَّتِه, كان كلُّ ما كتب إليها: (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ﮮ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِين) . فأما هي فلم تأخذها العزة بالإثم, ولم يَنَلْ من نفسها أنّ الكتاب لم يَحْوِ تَكْرِمَةً وتبجيلاً، ولم يَذهب برُشدها أن صاحبَ الكتاب ليس له في ذات نفسها من بسطة الملك وقوة السلطان ما لها. بل جمعت كل من يلوذون بطاعتها من الملوك – وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر من أَقْيَال اليمن – وبرغم كلِّ ما أسلفناه من أمر الكتاب؛ أحلته محلاً كريماً فقالت: (يَا أَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ) ثم انْثَنَت إليهم بعد ذلك فقالت: (يَا أيُّها المَلأُ أَفْتُوني في أمْرِي ما كُنْتُ قَاطِعَةً أمْراً حَتَّى تَشْهَدونِ) أما هم فوقفوا دون رأيها، ونزلوا تحت أمرها، فقالوا: (نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأُسٍ شَدِيدٍ والأَمْرُ إلَيْكِ فاْنظُري ماذا تأْمُرِينَ).

هنالك بسطت لهم أمر الحرب، وأنها مدعاة دمار الديار، ومَتْلَفَةُ البلاد والعباد فقالت: (إنَّ الْمُلُوك إذا دَخَلُوا قَرْيةً أْفسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِهَا أذِلَّةً وكَذلِكَ يَفْعَلُون) ثم كشفت لهم عن وجه الرأي فقالت: (وإني مُرْسِلةٌ إلَيْهِمْ بهدِيَّةٍ) كفيلةٍ بأن تَصرف ذوي المطامع وتجتذبَ بُغَاةَ الدنيا, فإن صَرَفَتْه عن قصده فهو مَلِكٌ, ولنا من بأسنا وقوّتنا ما يَثُلُّ عرشَه ويَفُلُّ غربه, وإنْ ردَّها وصُرف عنها فعسى أن يكون نبياً يُبصِّرُنا الحجة، ويهدينا سواء السبيل.

فلما جاءت رُسُلها سليمان بهديتها التي جمعت من كل شيء أسناه وأَثْمَنَه قال: (( قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُون)).

حتى إذا استبانت بِلقيس وَضَحَ الهدى من سليمان تَبدَّلت بدين آبائها دينَ الله وكان ذلك سبيلا إلى طمس آية المجوسية بين أرجاء اليمن.

تلك آيات من الذكر الحكيم قامت بفضل المرأة، ورجاحة عقلها، وسماحة رأيها، وأن قوة الشوكة وعِزة الملك لم تصرفاها عن ابتغاء الحق أيّاً كان سبيله، ومن أَيٍّ كان مَفِيضُه.

ولئن صحَّ ما روى الفخر الرازِيُّ: أن بِلقيسَ هي التي مدّت سدّ مأرب وجعلته طبقات ثلاثا بعضها فوق بعض, لتَكوننَّ تلك المرأة مهبط وحي العظمة, ومشرق نور الحضارة في العالم كله. فأما ما بُني قبل ذلك فجبال تعترض سَرَوَات الطرق، وتُرهق مناسم الأرواح، نُشرت على هاماتها ألوية الظلم, ونُزفت على أقطارها دماء الضعفاء.

تلك هي بلقيس رَبَّةُ القوم الذين راضوا الزمان ومَدُّوا سدّ العَرِمِ وشادوا قصر غَمدان.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.