المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها

0 1٬261

المرأة العربية في عهد جاهليتها (32)

سمو أدبها ونفاذ لبها (20)

الأم العربية

ويدرج الطفل بعد ذلك فتجعل الأم مَسْلَاتَه حديثُ الأبطال؛ وآياتُ النِّزال, وبذلُ النَّوال؛ واصطناعُ الرجال. ثم يَشِب فتنشر بين يديه من جليل العظائم كتاباً؛ وتُقِيم بين عينيه من جميل المكارم محراباً؛ وتتعاهده كما يتعاهد الزارع الضَّنينُ منابت الغَرْس؛ ومساقط الغَيْث. إن احتكمت به نزوة الشر؛ وطاشت بلبه سَوْرة الحقد, بغير حق وفي غير حزم؛ عطَّفت صدره؛ وألانت جانبه؛ وأوضحت نَهج الخير له. وإن سكنت همته؛ وفَترَت عزمته؛ أذكت حميَّته؛ وأثارت حفيظته؛ وأهاجت غضبته. ونحن أُولاء نضرب لك الأمثال ومنها تعلم إلى أي منزلة من نفاذ الرأي؛ وقوة التأثير؛ وحسن الهدايا؛ وصلَت الأم العربية في ذلك العهد السحيق.

جَعَلَ قوم لبِشرٍ بن أبي حازم الأسدي – وكان عبداً – جُعلاً على أن يهجو أَوسَ بن حارثة بن لام. فأخذ يَتَلَقَّفُه بلسانه في كل مجتمعٍ ونادٍ, حتى إذا ضاق بأوسٍ أمره, أرسل رسولا من لدنه ليشتري الشاعر العبدَ من مولاه بالغاً ما بلغ. فلما اشتُري له وجيء به إليه قال له: هجوتني ظالماً لي؛ أنت بين قطعِ لسانِك؛ وحبسِك في سربٍ حتى تموت؛ أو قطعِ يديك ورجليك وتخلية سبيلك؛ ثم دخل على أمه سُعدَى – وكانت قد سمعَتْ كلامَه – فقالت له: يا بُنّي: مات أبوك فرجوتُك لقومك عامةً, فأصبحت أرجوك لنفسك خاصة؛ وزعمت أنك قاطع رَجُلاً هجاك فمن يمحو ما قاله غيره؟ قال: فما أصنع؟ قالت: تكسوه حُلَّتَك وتحمله على راحلتك وتأمرُ له بمائة ناقة. ففَعَلَ ما قالت. فملأ بِشرٌ عِراض الآفاق بمدائح أَوس. وكان مما مدحه به قوله:

إلى أوس بن حارثة بن لام … ليقضي حاجتي ولقد قضاها

فما وطىء الحصى مثلُ ابنُ سُعدي … ولا لبس النعال ولا احتذاها

وشبيه بهذا ما حدَّث أبان بن تَغلِبَ قال: خرجت في طلب الكلإِ فانتهيت إلى ماء من مياه كَلْبٍ؛ وإذا أعرابي على ذلك الماء ومعه كتاب منشور يضطرم وعيداً وتهديداً؛ وجعل يقرأه على مَن بين يديه من القوم. فقالت له أمه وهي في خبائها – وكانت مُقْعَدَة كِبَرًا – ويلك! دعني من أساطيرك! لا تَحْمِلْ عقوبتَك على من لم يحمل عليك؛ ولا تتطاول على من لم يتطاول عليك؛ فإنك لا تدري ما تُقرِّبُك إليه حوادث الدهر. ولعل من صيَّرَك إلى هذا اليوم أن يصير غيرك إلى مثله غداً؛ فينتقم منك أكثر مما انتقمت منه؛ فاكفف عما أسمع منك: ألم تسمع إلى قول الأول:

لا تعاد الفقير عَلَّك أن تَرْ … كَعَ يوماً والدهرُ قد رفعَه.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.