المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها

0 1٬715

المرأة العربية في عهد جاهليتها (33)

سمو أدبها ونفاذ لبها (21)

الأم العربية

وأمّا ابتعاثُها الهمم من مكامنها؛ وانتضاؤها العزائم من أغمادها؛ فذلك ما لا يكلفها جهدَ القول؛ ولا مُرَّ الوعيد, فحسب الكلمة أن تخرج من فيها هادئة وادعة؛ فيكونُ لها ما بعدها. ومَثَلُ ذلك ما روى الراوُون أن ذُؤَاب بنَ أسماء العبسي قتل عبدَ الله بن الصِّمَّة – وكان ذؤابُ بطلاً أَيِّداً عتيداً – فلبث دُرَيد يترقبُه حتى أعياه. فلما انقضى الحَول ولم يأخذ بثأر أخيه قالت له أُمّه ريحانة بنت مَعْدِ يَكْرِبٍ: يا بني إن كنت عجزت عن طلب الثأر بأخيك فاستعن بخالك وعشيرته من زَبيد. فأَنِف لذلك. وحلف أن لا يَدَّهِنُ ولا يكتحل؛ ولا يَمَسُّ طِيباً؛ ولا يأكل لحماً؛ ولا يشرب خمراً؛ حتى يدرك ثأره. ثم استجمع لِعَبْسٍ وفاجأهم وأوقع بهم واقتاد ذؤاباً أسيراً وذهب به إلى فِناء أُمه فقتله بِمَرقَبٍ منها ثم قال لها: هل بَلَغْتُ ما في نفسك؟ قالت نعم مُتِّعْتُ بك.

ألا إن أشد ما يملك النفس من أَمْرِ أولئك النساء, أن يَدْفَعْن بأبنائهن في غمرة الواجب؛ ومن دونها رَصَدُ الموت؛ وبذل المهجات؛ لأن ميتة العِز أروح في نفوسهن, وأَمْثَل بأبنائهن؛ من حياة العجز. ودونك حديثاً؛ لولا أن تاريخ العرب حافل بالكثير من مثله؛ لكان أنشودةَ العظَمَةِ والفخار لتلك الأمة المجيدة الكريمة.

ذلك أن ظعائن من بني كِنانة خرجن في رَكْبِهن؛ وكان على خِفارتهن ثلاثةٌ من رجال القوم أحدهم ربيعةُ بن مُكَدِّم – وكان غلاماً فتياً له ذؤابتان – فبينما هم في طريقهم أبصروا بِجَمْعٍ من بني سُلَيم يملك عليهم عُرْضَ الطريق؛ وبين الحيَّيْنِ ثارات وأحقادٍ لا تلتئم جراحها؛ ولا تَخْمَد جَذوتها. فقال ربيعة لِمَن معه: أنا آتيكم بخبر القوم. فلما هّم بالسير قالت امرأة: هرب ربيعة! فقالت أخته: أين تنتهي نفرة الفتى؟! فعطف عليهن وقد رجف بما سمع منهن وقال:

لقد علمت أنني غير فَرِق … لِأُطْعَنَنَّ طعنةً وأعتنق

أصبحهم صاحي بمحمرّ الحدق … عَضْباً حُساماً وسناناً يأتلق

ثم انطلق يعدو به فرسه؛ فأصاب رجلاً من بني سُليم فقتله، ورماه رجل منهم بسهمه فأصاب يده فنزف دمه؛ فلحق بالظعائن يستدمي حتى انتهى إلى أمه؛ فقال: اجعلي على يدي عصابة. ثم أخذ يقول:

شُدِّي علَيّ العصب أمَّ سَيّار … فقد رُزِيت فارساً كالدينار

يَطَعنُ بالرُّمح أمام الأدبار

أما أُمه فلم يذهب بِلُبِّها ما رأت؛ ولم يلفتها ما سمعت من شطر قلبها عن السير به

في سبيل الواجب. فما كان جوابها إلا قولها:

إنا بنو ثعلبةَ بن مالكْ … مُرَزَّأٌ أخيارُنا كذلكْ

من بين مقتولٍ وبين هالكْ … ولا يكون الرزء إلا ذلكْ

قالت ذلك بَيْنَا هي تشدّ العصابة على يده، فاستسقاها ماءً فقالت: إن شربت الماء مُتَّ؛ ولكن كُرَّ على القوم, فَكَرَّ راجعاً يشتد على القوم وينزفه الدم؛ وقال للظعائن أوضعنْ ركابكن حتى تنتهِين إلى أدنى البيوت من الحي فإني لمائت وسوف أقف دونكن فأعتمد على رمحي فلا يقدمون عليكن لمكاني؛ ثم وقف على فرسه يعترض طريق القوم وركز رمحه في الأرض واعتمد عليه؛ وهنالك فاضت روُحه والقوم بمنجاة عنه؛ لا يقدّمون هَيْبَة له؛ ورعباً من بلائه واعتقاداً منهم بأنه رابض في موقفه ربضة الأسد المستجمع المتحفز. فلما طال بهم موقفهم ورابهم مكانُ صاحبِهم؛ رماه أحدهم بسهم فأصاب فرسه فوقع جثة هامدة؛ على حين اعتصم النساء بالحي فلم يكن إليهن من سبيل. فلُقِّب ربيعة منذ يومئذ بحامي الظُّعُن؛ وهو الذي حماهن حيّاً وميتاً.

كذلك تقذف الأم بولدها في لهوة الموت وما به من هوان عليها؛ ولا بها من غَناء عنه. فهو عَرْفُ الحياة تَتَنَسَّمُه؛ ونور الوجود تتلَمَّسه. ومن أجل ذلك آثَرَته بحياة الخلود؛ حياةِ المجد والحمد والذكر الكريم.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.