المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها

0 1٬698

المرأة العربية في عهد جاهليتها (34)

سمو أدبها ونفاذ لبها (22)

الأم العربية

إن الناس ليظلمون تاريخ العرب أن زعموا أن حاتمًا مُسْتنُّ الجود بين العرب فذلك ميراث أمه ائتمنته عليه؛ وسجيَّتُها طبعته عليها؛ فما كان له إلا أن يكون جواداً كريماً.

لقد كانت عُتبة بنت عفيف أم حاتم الطائي موفورة الثروة؛ فياضة اليد؛ فكانت لا تُبقي على شيء إذا قصدها سائل؛ أو هبط بفنائها نزيل. فلما رأى أخواتها إتلافها؛ حجروا عليها مالها؛ حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها طائفة من إبلها؛ فجاءتها امرأة من هوازن كانت تأتيها كلَّ سَنة تسألها فقالت لها: دونك هذه الإبل فخذيها؛ فواله لقد عضني الجوع ما لا أضيّع معه سائلاً. وأنشأت تقول:

لَعَمرك قِدْماً عضنى الجوع عضة … فآليت ألاّ أمنع الدهرَ جائعا

فقولا لهذا اللائمي اليوم أعفني … وإن أنت لم تفعل فَعضَّ الأصابعا

فماذا عساكم أن تقولوا لأختكم … سوى عَذْلُكم أو عَذْلُ من كان مانعاً

وماذا ترون اليوم إلا طبيعة … فكيف بتركي يا ابن أمَّ الطبائعا

تلك أثارةٌ من نفاذ المرأة العربية في بنيها واحتكامها بنفوسهم؛ واستثارتها روح الفضائل والمكارم فيهم؛ وما بلغت ذلك إلا بفَرْطِ حبهم لها؛ ولِيَاذِهم بها؛ وعكوفهم عليها. ومن أمثالهم: “إلى أُمِّهِ يَلهَفُ الَّلهْفان”

ولقد بلغ من كرامتها عليهم؛ ووفور منزلتها بينهم؛ أن السُّلَيك بنَ السُّلَكة السَّعدي -وأمُّه جارية حبشية – أطار نومَه، وأثار همَّه، أن تشتمل بلاد العرب على خالاته، ونظائرِ أمه، جواريَ قد مَلَكَهُنَّ الرِّقُّ، وأزرى بهن التَّبَذُّلُ، وَوَدَّ لو وَجد من ذات يده ما يُمَكِّنه من افتدائهن جميعا. فذلك حيث يقول:

أشابَ الرأسَ أني كل يوم … أرى لي خالة بين الرِّحَال

يَشُقُّ عَلَيَّ أن يَلقَيْن ضَيما … ويَعْجِزُ عن تَخَلُّصِهِنّ مالي

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.