المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها (9)

0 3٬083

المرأة العربية في عهد جاهليتها (6)

نصيبها من الوجود

ألا إن كلمة واحدة قذَفَت بها امرأة فأصابت مواطن الحسِّ من رجل فهاجت لها الحرب أربعين عاماً لم يَدِرَّ فيها ضَرْع، ولم يَكْتهل بين أثنائها فتًى.

وحديث ذلك: أنَّ البَسُوسَ ابنةَ مُنقِذٍ – خالةَ جَسَّاسِ بنِ مُرَّةَ سيدِ بَني بَكْر نزل بها ضيفٌ من ذويها يُدعَى سَعْداً، فأَفسَحَت دارها له، وأَناخَت بحظِيرَتها ناقتَه، فما كاد يطمئنُّ بالرجل مُقامُهُ حتى انطلقت ناقتُه ترعَى. وقادها حَيْنُها إلى حِمًى لكُلَيبِ بنِ رَبيعةَ صهرِ جساسٍ، وفتىَ العرب، وسيدِ تغْلبَ – ولم يكن لأحد غيرِ جسّاسٍ أن يُرْعِيَ إِبِلَه حِمَى كُليبٍ – فلما بصُرَ كُليبٌ بها غريبةً بين إبله أَنفْذَ سهمه في ضِرعِها، فانطلقت تعدو وهي تَشخُبُ دما ولَبَناً حتى نزلت بفناء البَسوس. فلما استبانتْ ما بها صاحت وأَعْوَلَت واندفعت تقول:

لَعَمْرُك لو أصبحتَ في دار مُنقِذٍ … لما ضِيمَ سعدٌ وهو جارٌ لأبياتِي

ولكنني أصبحت في دار غُرْبةٍ … متى يَعْدُ فيها الذئبُ يَعْدُ على شاتِي

فيا سَعدُ لا تَغْرُر بنفسك وارتحِل … فإنك في قومٍ عن الجار أموات

ودونك أذْوَادي فإنيَ عنهم … لراحلةٌ لا يفقدون بُنَيّاتي

سمع جساس تلك الكلمةَ الأخيرةَ فأصابت الوَتَر الأرَنَّ من قلبه، فأَجفَلَ إجفالَ الأَخِيذةِ من تلك الوَصمةِ الْمُنْديَة؛ وصمةِ العَجْزِ عن حياطة بُنَيَّاتِ خالته! فقال: “اسكتي أيّتها المرأة فَلُيقْتَلَنّ غداً جَملٌ هو أعظمُ عَقْراً من ناقة جارك” ولم يزل يتوقع غِرَّةَ كُليبٍ حتى أُنبِئَ بانفراده فاعتقَل رمحَه، وخرج للقائه. فلما أبصرَه طعنه، ودَقَّ صُلْبهُ، وأبى عليه الماءَ أن يُبَلِّغَهُ به. وعلى إثر ذلك ثارت حربُ البَسوس، وفيها استحرّ القتل بالْحَيَّينِ أربعين عاماً حتى كاد يلحقُهما الدُّثُور في أَثَرِها وما عَصَفتْ بها إلا كلمةٌ واحدة كان خليقاً بها أن تذهب لِحِينها، لولا أن نَسَجَتْها امرأةُ، وحاكتها على امرأةٍ.

ربما قلتَ أولئك سَرَوَات القومِ وهاماتِهم، غضِب بعضهم لبعض، وهاج بعضهم على بعض، فتدافع العرب في مَسَاقِهم طَوَاعيةً لهم، وانسياقاً في أَثرهم. فمثلهم في ذلك مثل عامة الفُرْسِ والرومان وأممِ القرون الوسطى من أشرافهم.

على أن ذلك إن قيل فيمن سوى العرب من الأمم، فالعرب أجل وأعظم من أن يوصموا به، أو يكونوا في شيء منه.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.