المواطنون يواصلون رحلة البحث عن الفضاءات المفتوحة لتفادي انتقال العدوى

- "السيدة الإفريقية" بالعاصمة تجمع الجزائريين رغم اختلافاتهم في زمن "الكورونا"

0 15٬339

نوتردام دافريك” تفتح ذراعيها لاستقبال العائلات بين نسمات البحر ونعمة الهدوء فراحة البال….

أجلت العائلات الجزائرية جميع رحلاتها وبرامجها المسطرة لحلول فصل الصيف على غير العادة، مجبرة هي لا مخيرة بعد التطورات التي عرفها الوضع الصحي بالبلاد، حيث فرض ” كورونا” كوفيد 19 منطقه ” الصعب” على الجزائريين، فبقيوا في بيوتهم وتخلوا عن عاداتهم التي لطالما مارسوها مباشرة بعد حلول فصل الصيف، لا البحر مسموح لهم ولا الفضاءات المغلقة على غرار مراكز الترفيه والتسلية ولا الرحلات الأخرى.

روبورتاج وتصوير: فضيلة/ح

وتواصل العائلات الجزائرية رحلة البحث عن فضاءات للراحة والاستجمام بعيدا عن ضغط الكورونا وما خلفته من اثار سلبية مست اغلب الجزائريين، ومن بين هذه الفضاءات المفتوحة التي تستقطب يوميا مئات العائلات كنيسة السيدة الافريقية بأعالي العاصمة، هذا المعلم المعماري الشامخ على مر السنوات، ظل يستقبل الجزائريين على اختلاف توجهاتهم، حيث تقصد العائلات العاصمية هذا الفضاء للتمتع بنسمات البحر المقابل للكنيسة من على أعالي العاصمة، وتقضى أوقات للراحة والهدوء والسكينة بعيدا عن الكورونا وما تحمله من مستجدات تثير الرعب والخوف في نفوس الجزائريين “قاطبة”.

لا يشترط أن تكون مسيحيا… مرحبا بالجميع

على أعالي بلدية باب الواد بالعاصمة وعلى الجهة الشرقية لبولوغين تقع الكنيسة المسيحية للسيدة الافريقية، تستقطب يوميا ميئات الجزائريين من البلديات المجاورة وأخرى واقعة بالعاصمة، وازداد معدل الاقبال عليها منذ بداية الوباء كورونا كوفيد 19، للتمتع بجمال هذه التحفة المعمارية من جهة واستغلال كل لحظة ميزتها نسمات البحر ونقاء الهواء من جهة أخرى.

ولا يشترط على زوار السيدة الافريقية، او ما يفضل تسميتها عند سكان المنطقة ب” مدام لفريك” ان تكون مسيحيا بل، الجزائريون بمختلف توجهاتهم يتوافدون يوميا للسيدة الافريقية لما تضمه من راحة للبال وهدوء واسترخاء بالنظر لوقوعها في أعالي العاصمة، جمعت بين نسمات البحر وزرقته وبين الاخضرار الموجود على الجهة الشرقية لبولوغين، ومع تزايد ارتفاع عدد الإصابات بوباء كورونا، ما أدى الى الابتعاد عن كل الأماكن المغلقة التي من شأنها نقل العدوى، فبات هذا الفضاء بمثابة ” فرصة سانحة” للعائلات العاصمية لقصدها طيلة الفترة التي تكون فيها مفتوحة للزوار.

وتفتح أبواب الكنيسة للمسيحين الموجودين بالعاصمة من الساعة 11 صباحا الى غاية الخامسة مساء، من اجل الصلاة او دخولها والبقاء بها لساعات يقولون من اجل الدعاء والصلاة من جهة، ومن جهة أخرى للتمتع بالهواء النقي وزرقة مياه البحر ونسماته التي تبعث بكل زوار هذا الفضاء فتلزمهم بالبقاء لمدة أطول فيها .

عشاق البحر والهدوء …المهم ان تعيش اللحظة

بساحة السيدة الافريقية وعلى طول امتدادها تتواجد العائلات الجزائرية، جالسة على الضفة التي تقابل البحر على جهة بلدية بولوغين، غير بعيد من ملعب بولوغين عمر حمادي، احتواء كنيسة السيدة الافريقية على ساحة كبيرة مقابلة للبحر جعلها تكون الواجهة التي يقصدها الجزائريون يوميا، الساعة كانت الثالثة زوالا عندما وصلنا الى السيدة الافريقية، ومع مدخل الكنيسة عشرات العائلات مرفقة بأطفالها تتواجد بالكنيسة منذ الساعات الأولى من الصباح لتستغل بذلك كل لحظة فيها تتمتع بزرقة مياه البحر على بعد امتار من الكنيسة وبالاخضرار الموجود من الجهة الغربية لبلدية بولوغين.

تجلس هنا وهناك، تحت أشجار متناسقة موجودة داخل ساحة الكنيسة، تستغل العائلات كل دقيقة فيها لتعيش اللحظة بعيدا عن ضغوطات الكورونا وما تحمله من اخبار ” مفزعة” بعد ارتفاع معدل الإصابات بالفيروس ليصل لعتبة ال300 إصابة .

وتقول السيدة امنية ام لثلاثة أطفال كانت جالسة بساحة الكنيسة ” الجلوس في هذا المكان يجعلني اشعر بالراحة والسكينة، لم نجد أماكن نقصدها حتى الأطفال سئموا من الوضع الحالي بسبب الحجر وعدم السماح لنا بالذهاب حتى للبحر، الحياة لم تعد كما كانت والضغط الذي نعيشه رهيب…” تابعت السيدة ذاتها” اقطن في بلدية بولوغين ويوميا اقصد الكنيسة للتمتع بزرقة المياه والسكينة والهدوء، وفرصة أخرى ليلعب اولادي في ساحة الكنيسة…”..

ويقول احدهم ” الجلوس هنا ومقابلة البحر من أعالي العاصمة من على كنيسة السيدة الافريقية يجعلك تنسى هموم الدنيا وما خلفه الكورونا من خوف وقلق وترقب”، زوار هذا الفضاء المعماري يؤمنون ان الاختلاف حق والاحترام واجب على الجميع، فهم يحترمون المسيحين الذين يتوافدون للكنيسة للصلاة والدعاء بداخلها طيلة فترة فتحها لأبوابها، الممتدة من 11 صباحا الى الخامسة مساء.
اما المسلمين فيقصدون الكنيسة للراحة وقضاء اوقاتا مريحة بعيد عن ضغط وضجيج الحياة اليومية ومستجدات الكورونا كوفيد 19، وبداخل الكنيسة يتواجد رجال ونساء هنا وهناء جالسون يرددون ويهمسون كلمات يقال انها صلاة ودعاء، واخرون يدخلون قاعة الكنيسة ويخرجون منها فقط لإشباع فضولهم ماذا يوجد بداخلها، هي لحظات تجمع بين مختلف الجزائريين مسيحين ومسلمين ، بالرغم من اختلافهم الا انهم يجمعون على ان هذا الفضاء يعتبر من بين اجمل الفضاءات التي ترغب العائلات زيارتها يوميا وقضاء أوقات فراغها فيها.

عرفانا وتقدير لمصالح الامن …..لا شكاوي ولا استياء

وتعمل المصالح الأمنية ممثلة في الشرطة الموجودة داخل الكنيسة السيدة الافريقية على توفير الامن طيلة تواجد الزوار فيها، مباشرة في مدخل هذا الفضاء يقابلك مكتبا للشرطة يقدم كل التوضيحات والشروحات حول كل ما يتساءل عنه الزوار، بعضهم لا يعرف المكان يسأل عن توقيت فتح الكنيسة وغلقها، وماذا يتطلب من الزوار التقيد به طيلة فترة تواجدهم بهذا الفضاء ، واخرون يتسائلون عن إمكانية ركن سياراتهم هناك، واخرون يقدمون ثنائهم وشكرهم لرجال الامن لما يقدمونه في خدمة الزوار والعائلات.

ويجمع الزوار الذين التقتهم” الإخبارية” بكنيسة السيدة الافريقية بالعاصمة، على توفر الامن في كافة ارجاء الكنيسة، ما سمح للعائلات البقاء فيها لفترة طويلة رفقة أبنائها بعيدا عن أي ازعاج او تعدي او استياء او حتى تعرض لسرقة او من معاملات وغيرها.

وبين ركن واخر يتنقل رجال الامن بين الفينة والأخرى لتفقد الأوضاع فيها، وهذا ما رحبت به العائلات المتوافدة للكنيسة السيدة الافريقية بالعاصمة، فتوفير الامن بها يجعل العائلات تعيش لحظات جميلة مرفوقة بالأمن والطمأنينة.

لعب وسباق ….البراءة تجد ضالتها ببهو الساحة

لا يمكن ان تقنع البراءة التي ترافق عائلات تزور الكنيسة، بمغادرة هذا الفضاء يوميا ، بالنظر لما يجده الأطفال من راحة ولعب ولهور وسباق ببهو ساحة الكنيسة، وبأصوات امتزجت بين الفرحة والسرور والتهريج تعالت الأصوات التي تنادي تارة لاسم طفل، وتارة أخرى لإعادة الكرة التي يبدو انها ابتعدت عن اعين هؤلاء الأطفال الذين يلعبون يوميا بساحة السيدة الأفريقية بمعشوقة الجماهير كرة القدم، وهناك فريقا من الأطفال يتسابقون بسياراتهم ودراجاتهم الصغيرة وهم يعبرون عن فرحتهم بأصوات تعلو هنا وهناك، الفرحة ترسم محياهم لانهم يعتقدون انهم تحرروا من ضغوط المنازل والحجر الصحي الذي فرض عليهم الوباء، فهم يتواجدون بالمنازل منذ شهر مارس المنصرم.

وهناك أمهات يفضلن التقاط صورا لأطفالهن من أعالي الكنيسة تارة امامها وأخرى وهم يلعبون ويمرحون وهن يلتقطون فيديوهات لأبنائهن و هم يلعبون لتبقى ذكرى تعود اليها يوما ما.

وموسيقى على الهواء المباشر>

وشباب اخر مراهقين في ربيع عمرهم يتخذون من السيدة الافريقية مكان يجمعهم من كل حدب وصلب، يمارسون فيها هواياتهم المختلفة منها الرياضة، والسباق وحتى الموسيقى من جهة، يتواجدون هناك وراء اسوار الكنيسة يعزفون موسيقى بآلاتها المختلفة، تارة متبوعة بأغنية للراي وتارة أخرى للشعبي الأصيل، وبين الفينة والأخرى يتوقف هؤلاء لتناول كوب القهوة التي كانت موجودة أمامهم.

من جهة أخرى، كان بعض الشباب هناك من الجهة المقابلة لبلدية بولوغين وفي جعبتهم برنامج حافل من النشاطات، يقول أحدهم” البقاء في مكان هادئ كهذا يجعلك تشعر بالراحة والهدوء فهو يجمع بين البحر والهدوء والاخضرار…”.
كما يفضل زوار هذا الافضاء أيضا لعب كرة القدم باعتبار أن ساحة السيدة الافريقية مفتوحة على أربعة جهات، ما تعلق بباب الوادي، بولوغين، الزغارة ، بوزريعة وحتى احياء تابعة لحي السيدة الافريقية.

وللأمانة فقط ، خلال فترة تواجدنا بكنيسة السيدة الافريقية، لاحظنا التزام ووعي وادراك بحجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجزائريين، بخصوص ما تعلق بضرورة ارتداء الكمامات، حيث وقفت” الإخبارية” عند التزام العديد من الزوار بهذا الاجراء الذي من شانه إيقاف عدوى انتقال الفيروس بين المواطنين.
كما يلتزم الزوار أيضا –حسب ما وقفت اليه ” الإخبارية”-، بالإبقاء على نظافة المكان طيلة فترة تواجدهم بهذا الفضاء، حيث خصصت الوصايا المكلفة بتسيير هذا الفضاء على تخصيص أماكن كثيرة لرمي النفايات، وأقرت إجراءات ” فعلية” للحفاظ على نظافة المكان، ويلتزم كل زوار الكنيسة برفع كل الأشياء التي يخلفها وراءهم عند مغادرتهم للمكان ووضعها في فضاءات مخصصة لهذا الغرض.

وللتاريخ حكاية

وبالعودة الى تاريخ تأسيس هذه الكنيسة للسيدة الافريقية” نوتردام دفريك”، تنقل روايات وكتب للتاريخ-للأمانة فقط المنقوله منها المعلومات-، أنها تعود لسنة عام 1872، أُنشئت بواسطة الكاردينال لافيجيري عام 1872، وهي تقابل على منحدر، مقابر دفن اليهودين والمسيحيين على جهة بلدية بولوغين، ذات طراز معماري بيزنطي وزخارف عربية إسبانية، من تصاميم المهندس المعماري جان أوجين فروماجو، وتوجد بولاية عنابة كنيسة مماثلة لتلك الموجودة بالعاصمة على نفس التصميم.

وتعد كنيسة السيدة الافريقية إحدى أشهر الكنائس على ساحل البحر الابيض المتوسط، اقترنت تسميتها بالسيدة الإفريقية بمرجاريت بيرجر نسبة إلى الخادمة النصرانية ذات البشرة السوداء مرجاريت بيرجر، التي شدت الرحال من مدينة ليون الفرنسية نحو مدينة الجزائر في القرن التاسع عشر من أجل التعريف بدينها في القارة السمراء، لتستقر برفقة الأسقف بافي في أعالي باب الوادي بالعاصمة، وحسب المصادر ذاتها، فان الروايات تقول أن تكلفة بناء الكنيسة آنذاك كانت باهظة ومن أجل تحقيق ذلك، وجه الأسقف دعوة لجمع الأموال من كل المسحيين الذين كانوا يقطنون بالعاصمة، فتهاطلت التبرعات والهبات من فقراء المسحيين وأغنيائهم في فرنسا وأوربا، ومن جنرالات وقادة فرنسا ليتمكنوا من بناء هذه الكنيسة التي بقيت شامخة لسنوات غابرة.

وتفيد الروايات دائما التي تنقلها كتب تاريخية الى أنه، وُضع حجر الأساس لكنيسة العذراء سنة 1858 على هضبة مرتفعة تقابل البحر وكل من يدخل إلى مدينة الجزائر تقابله الكنيسة.

وفي سياق اخر، عمدت السلطات المسيرة للكنيسة في الفترة الأخيرة الى إعادة ترميم أجزاء منها، وقامت بتخصيص منارات ضوئية تنير مع دخول الفترة الليلية كل الكنيسة وحتى الاحياء المجاورة، حيث يجد زوار الكنيسة قبل تحديد فترة الحجر الصحي سابقا، ضالتهم بالبقاء الى ساعات متأخرة من الليل، لكن مع ظهور الوباء كورونا كوفيد 19 أصبح الزوار مرتبطون بتوقيت الحجر، حيث تغلق أبوابها في وجه الزوار ابتداء من الساعة الثامنة مساء بداية فترة منع التجوال في اطار المخطط الخاص بالحد من انتشار الوباء كورونا كوفيد 19.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.