اُدعوا اللهَ وأنتم مُوقِنون بالإجابة.

0 939

قال الله تبارك وتعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غَافر: 60] .

فمن فضل الله وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة.

ولأهمية الدعاء حصر النبي – صَلى الله عليه وسلم – العبادة في الدعاء- روى الإمام أحمد بسنده، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: قال رسول الله – صَلى الله عليه وسلم -: «إن الدعاء هو العبادة، وقرأ هذه الآية {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غَافر: 60] » وفي الحديث الآخر: «الدعاء مخ العبادة» يعني خالص العبادة ولبها.

وكل ما فيه ثناء على الرب وتنزيه له، أو طلب حوائج الدنيا والآخرة منه تعالى فهو دعاء الأول يسمى دعاء عبادة. والثاني يسمى دعاء مسألة والأول أفضل النوعين.

والإلحاح في الدعاء مما يحبه الله- ذكر الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله – صَلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحب الملحين في الدعاء».

وإذا دعا العبد فلا يستعجل ولا يستبطئ الإجابة- لا يتعب ويسأم ويدع الدعاء فيكون بمنزلة من بذر بذرًا أو غرس غرسًا فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل. قيل يا رسول الله: ما الاستعجال؟ قال: يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي فيتحسر عند ذلك ويدع الدعاء» .

وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب، وحصر همه على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة الستة- وهي: الثلث الأخير من الليل، أو عند الأذان، أو بين الأذان والإقامة، أو أدبار الصلوات المكتوبات، أو عند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، أو آخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم- وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الرب وذلاً وتضرعًا ورقة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنى بالصلاة على النبي، ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألح عليه في الدعاء، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدم بين يدي دعائه صدقة؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدًا، لا سيما إذا صادف الأدعية التي أخبر النبي – صَلى الله عليه وسلم – أنها مظِنة الإجابة أو أنها متضمنة للاسم الأعظم.

ومنها ما في السنن وصحيح أبي حاتم عن أنس رضي الله عنه، أنه كان مع رسول الله – صَلى الله عليه وسلم – جالسًا ورجل يصلي، ثم دعا فقال: اللهم أني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. فقال النبي – صَلى الله عليه وسلم -: «لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى» . وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله – صَلى الله عليه وسلم – كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم».

والدعاء عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن. عن عائشة قالت: قال رسول الله – صَلى الله عليه وسلم -: «لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة» وعن ثوبان رضي الله عنه، عن النبي – صَلى الله عليه وسلم – قال: «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» . ومن ألهم الدعاء فقد أريد به الاستجابة- كان عمر رضي الله عنه يقول: إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه (1) . فالدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المحبوب.

ولكن قد ندعوا ولا نجد أثر دعائنا في حياتنا؛ وذلك إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاءً لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وقت الدعاء، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام ورَيْن الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة واللهو وغلبتها عليها، كما في مستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي – صَلى الله عليه وسلم – قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل الدعاء من قلب غافل لاه» وفي الحديث الآخر: «يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك» .

أما الذين يدعون الله ويدعون معه غيره، أو يذبحون لله ولغيره، أو ينذرون لله ولغيره، أو يرجون أو يخافون معه غيره: فقد جاءوا بأعظم أسباب منع إجابة الدعاء وهو الشرك الأكبر، والذنب الذي لا يغفر.

وأما الذين منعهم الاستكبار عن عبادة الله ودعائه وطاعته فيسجازون بالجزاء الفظيع، وهو دخول جهنم صاغرين، ذليلين؛ حقيرين. روى الإمام أحمد بسنده عن النبي – صَلى الله عليه وسلم – قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا في جهنم يقال له بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار» أعاذنا الله وإياكم منها بمنه وكرمه.

فأوصيكم وإياي بتقوى الله، والأخذ بأسباب إجابة الدعاء، والحذر من موجبات رده- قرأ بعض الصحابة سورة الفاتحة على لديغ فشفي في الحال، وما ذاك إلا لاكتمال أسباب إجابة الدعاء.

مر إبراهيم بن أدهم الزاهد المعروف بسوق البصرة فاجتمع عليه الناس، فقالوا له: يا أبا إسحاق: ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: عرفتم الله فلم تؤدوا حقه، وادعيتم أنكم تحبون رسول الله وتركتم سنته، وقرأتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعمة الله ولم تؤدوا شكرها، وقلتم: إن الشيطان عدوكم ووافقتموه، وقلتم: إن النار حق ولم تهربوا منها، وقلتم: إن الجنة حق ولم تعملوا لها، وقلتم: إن الموت حق ولم تستعدوا له، وإذا انتبهتم من النوم اشتغلتم بعيوب الناس ونسيتم عيوبكم، ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.