“بوطي” صغير… وحلم كبير

0 3٬069

يقول المثل الجزائري “بدّل المراح.. تستراح” لكن الـ 500 حرّاق الذين استقلوا 48 قاربًا أو ما يسمّى عندهم “البوطي” قد بدّلوا البيت والحي والمدينة والبلد كذلك، بحثا عن الألدورادو المنشود.

تساءلت إسبانيا عمّا يحدث في الجزائر ليهجرها في يوم واحد 500 شاب في ريعان شبابهم.

قد تكون الأجوبة كثيرة ومتعددة ويعرفها العام والخاص، لكنّ السبب أوحد ووحيد، وهو أن هؤلاء الشباب يطمحون لعيش حياة أفضل في بلدان أحسن تمنحهم أبسط الحقوق التي كانت تعد كماليات في بلدانهم الأصلية.

قد يختلف الكثيرون حول ظاهرة الحرّاقة التي زادت انتشارا في العالم خاصة بعد ما يسمى بالربيع العربي وبالخصوص في دول المغرب العربي، لكن بدراسة هذه الظاهرة الخطيرة وبالرغم من اتباع عديد الدول أساليب ردعية إلا أن الظاهرة تزداد رواجا وعلى مدار فصول السنة.

يجيب الكثير من الشباب الذين اختاروا قوارب الموت لتغيير مسار حياتهم الروتيني والتعيس، أن الفقر والتهميش وغياب فرص العمل يدفعهم إلى المخاطرة بحياتهم أملا في النجاة والعيش بكرامة قد تُفقَدُ في مراكز الإيواء التي يرون فيها الويلات، يقولون إن كل هذا لا يهم؛ فمن فارق أهله وبلده ورأى الموت بأم عينيه وتقاذفته الأمواج يمينا وشمالا ليجد نفسه أخيرا على يابسة البلد الحلم الذي لطالما سعى للوصول إليه، بإمكانه أن يتحمل كل شيء.

تواصلت مع والدة أحد الشباب الذين اختاروا المجازفة على البقاء مكتوف الأيدي في ظل غياب أبسط مقومات الحياة البسيطة، قالت المرأة الخمسينية : إبني متخرج في الجامعة ولم يتحصل على فرصة عمل وليس بمقدوري أنا ووالده أن نفتح له مشروعا صغيرا ليبدأ حياته، وكنا نراه ينطفيء يوما بعد يوم أمام أعيننا ولم نقوَ على فعل أي شيء، نعم قمت ببيع مجوهراتي وأعطيته كل مدخراتي لينجو بحياته قبل أن يموت أمامي من القهر والقنطة والظلم، صحيح أنه خاطر بحياته وقلبي محروق عليه، لكن لم يكن هناك خيار آخر أمامنا وأمامه.

آلمني حديث هذه الأم وحديث الكثيرات اللواتي لم يكنّ يعلمن بالخطوة الكبيرة التي أقبل عليها فلذات أكبادهن، فبقين في انتظار أخبار الغرق أو النجاة في “بوطي” صغير يحمل أحلاما كبيرة.

من اختار طريق الحرقة سبيلا هو من أوصدت كل الأبواب في وجهه، قد يكون بطالا أو موظفا أو دكتورا أو إطارا ساميا أو شخصا بسيطا يحلم بالأمان والحرية وبحياة بسيطة وأن يتمتع بأبسط حقوق المواطنة.

لست أسوق لهذه الظاهرة الخطيرة أو أجد أعذارا لمن اختار هذا الحل، لكنني أحاول أن أضع أصبعي على وجع كبير في بلد أكبر، يعاني فيه الشباب المقبل على الحياة الأمرّين، بعد أن شربوا حب الوطن حتى الثمالة هاهم اليوم يديرون ظهورهم إلى كل ما هو غالٍ على أنفسهم ويتصدون لبحر الطوفان سعيا إلى بلد الأحلام ….

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.