“جائحة كورونا” تفرض على الجزائريين والعالم سنة استثنائية

0 9٬679

لم تكن سنة 2020 سنة ككل السنوات، حيث خيم عليها شبح أكبر جائحة صحية عرفها العالم، والمتمثل في وباء كورونا “كوفيد19″، ولم تكن الجزائر بمعزل عن الفيروس، الذي أثر بشكل كبير على مسيرة التنمية والتغيير التي أطلقها رئيس الجهورية عبد المجيد تبون، خصوصا في الأشهر الأولى، حيث ألقى الوباء بظلاله على سيرورة الدولة، ورسم صورة جديدة للحياة لم يألفها الجزائريون واكتشفوها لأول مرة، خصوصا ما تعلق بالحجر الصحي، إلا أن الفيروس كانت له تداعيات كثيرة على الاقتصاد ما انعكس على الوضعية الاجتماعية، حيث عانى الآلاف من الجزائريين من فقدان وظائفهم، كما أن أكبر مشروع والخاص بتنمية مناطق الظل عرف تأخيرا كبيرا ما أجل تحقيق أحلام ساكنة تلك المناطق.

لم يكن أحد يتوقع أن الفيروس المجهول الذي انتشر في الصين مطلع جانفي من السنة المنقضية، سيتحول لوباء عالمي يهدد كل البشرية، قبل أن تعلن منظمة الصحة العالمية في 8 من الشهر ذاته بأن نوعا جديدا من فيروس كورونا قد يكون مصدر وباء للالتهاب الرئوي، لتسجل بعدها بثلاثة أيام أول حالة وفاته به، وبدأ انتشارها عالميا نهاية الشهر، قبل أن تسجل الجزائر أو حالة في 25 فيفري، لإيطالي تمت إعادته إلى بلده دون تسجيل أي عدوى.

إلا أنه وبعد أسبوع من الحادثة أعلنت رعيتان مغتربتان كانتا في زيارة إلى الجزائر إصابتهما بالفيروس، ليبدأ رسميا مسلسل فيروس كورونا في الجزائر، حيث شرعت وزارة الصحة في تسجيل الإصابات وسط العائلة القاطنة بالبليدة التي قدمت إليها الرعيتان المغتربتان، ليصل عدد الإصابات إلى العشرين بتاريخ 8 مارس وتسجيل أول حالة وفاة بالفيروس في 11 من الشهر ذاته، وتمدد الفيروس إلى عدة ولايات.

الإصابات ترتفع والجزائريون يكتشفون لأول مرة الحجر الصحي

دفع ارتفاع الإصابات المستمر في الجزائر في شهر مارس لانعقاد اجتماع للمجلس الأعلى للأمن، برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون، الذي تقرر خلاله ولأول مرة في تاريخ الجزائر فرض الحجر الصحي على ولاية البليدة، لمدة عشرة أيام، وتمديد الإجراء لولاية العاصمة والولايات التي تشهد إصابات بالفيروس التي كان فيها الحجر من الساعة السابعة مساء إلى السابعة صباحا، وجعل التجول في فترات الحجر مرهونا بترخيص مسبق، مع منع التجمعات لأكثر من ثلاثة أشخاص وإغلاق كافة أماكن التجمعات كالمقاهي والمحلات مهما كان نشاطها وقاعات الحفلات باستثناء محلات المواد الغدائية.

وفي مطلع شهر أفريل قررت السلطات الصحية توسيع الحجر الصحي ليشمل كل الولايات، تزامنا مع تسجيل 130 وفاة، مع الابقاء على الحجر الشامل في ولاية البليدة، لتشهد البلاد إغلاقا كليا، وتفرض إجراءات وقائية صارمة على المواطنين، تجنبا لمزيد من الانتشار للفيروس، وهو ما نجحت فيه الجزائر مقارنة بعدة دول خصوصا الأوروبية التي كانت تشهد في تلك الفترة تسجيل آلاف الوفيات وعشرات آلاف الإصابات يوميا.

كما تقرر إغلاق الدارس والجامعات وتسريح نصف العمال في كافة المؤسسات والإدارات، عن طريق عطل استثنائية، كانت الأولوية فيها لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة بالإضافة إلى النساء الحوامل والمربيات.

الجزائريون يصنعون أجواء التضامن ويؤكدون وحدتهم في الشدائد

مباشرة بعد إعلان إجراءات الحجر الصحي، خصوصا على ولاية البليدة التي كانت مركز الوباء بالجزائر، سارع الجزائريون من مختلف الولايات لإرسال آلاف الأطنان من المساعدات للولاية، كان لها الأثر الكبير في تمكين سكان الولاية من تجاوز محنة الإغلاق الشامل، يضاف لها عشرات المبادرات المماثلة لمختلف الولايات التي عانى سكانها من إجراءات الإغلاق، ليعطي الجزائريون دليلا آخر على تماسك المجتمع خصوصا في الشدائد والأزمات.

إغلاق عالمي للأجواء وانطلاق أكبر عملية إجلاء

وشهدت هذه الفترة ذروة انتشار الفيروس عالميا، ما تسبب في إغلاق شامل لمعظم البلدان، وتوقيف شبه كلي لحركة الملاحة الجوية، والنقل بين البلدان، مع تسجيل ملايين العالقين عالميا، وهي الوضعية التي سايرتها الجزائر رافضة التخلي عن مواطنيها المتواجدين في العشرات من البلدان بإطلاق أكبر عملية إجلاء، لإعادة الجزائريين اللذين تقطعت بهم السبل في بلدان العالم.
وشملت العملية عشرات الرحلات الجوية لمختلف الوجهات خصوصا الفرنسية والتركية، والتي انتهت بإعادة أكثر من 14 ألف جزائري، مع توفير كافة الإمكانات والهياكل الفندقية لهؤلاء من أجل قضاء فترة الحجر الصحي، وذلك بتمويل الدولة الجزائرية.

خريطة طريق للخروج من الحجر والجزائريون يتنفسون

حدد الوزير الأول، عبد العزيز جراد، مطلع شهر جوان خارطة طريق للخروج من الحجر، بصفة تدريجية ومرنة في آن واحد تمت عبر مرحلتين، ابتداء من 14 جوان، حيث تم استئناف النشاطات الاقتصادية والتجارية والخدماتية، خصوصا مع الآثار الكبيرة التي تسبب فيها الإغلق على الجزائريين الذين خسر الكثير منهم مصادر دخلهم، مع بروز مؤشرات على تحول الأزمة الصحية إلى أزمة اقتصادية واجتماعية، في كل أنحاء العالم، كما أن إعادة الفتح وقتها جاءت أيضا في ظل موجة عالمية لتخفيض إجراءات الحجر.

إلا أن إعادة الفتح لم تمر بردا وسلاما على الجزائريين، حيث عرفت أعداد الإصابات اليومية ارتفاعا مباشرا، من 98 إصابة عشية الفتح، إلى ما يقارب 500 إصابة آواخر شهر جويلية، ما دفع السلطات إلى مواصلة فرض إجراءات الحجر وتعديلها حسب انحسار الوباء وعودته بتشديد إجراءات الحجر على الولايات التي تشهد ارتفاعا في الإصابات وتخفيفها على غيرها.

إلا أن الدخول الاجتماعي، ورغم تسطير كل القطاعات لبروتوكولات صحية لتسيير عودة العمال وكذا افتتاح المدارس والجامعات بشروط صارمة، لم يمكن من منع عودة الإصابات للارتفاع في إطار ما عرف عالميا بالموجة الثانية ليبلغ عددها في الجزائر ألف إصابة يوميا، ما جعلها تفوق الموجة الأولى، إلا أن حسن التنظيم وتوفر الإمكانات بالإضافة إلى اكتساب تجربة مكن من تجاوز الوضعية وخفض عدد الإصابات مجددا إلى حدود 350 إصابة.

اللقاح يريح العالم والرئيس تبون يأمر بالشروع في التلقيح مطلع العام الجديد

لعل أكثر المواضيع التي كان يتابعها العالم في الأشهر الأخيرة هي سيرورة إنتاج اللقاحات التي تقدمت فيها عدة مخابر عبر العالم، مع بروز خمسة لقاحات أساسية، على أرسلها “فايزر بايونتك” الأمريكي الألماني، و”موديرنا” الأمريكي، بالإضافة إلى اللقاح البريطاني “استرازينيكا” وكذا “سبوتنيكv ” الروسي، وكذا “كورونافاك” الصيني، وهي اللقاحات التي نالت حصة الأسد في سوق اللقاحات خصوصا الأمريكية منها والتي لم تعد متاحة في الأسواق، نظرا للطلبات الكبيرة عليها.

وينتظر أن تشرع الجزائر في عملية التلقيح الشهر الداخل، بعد تشديد رئيس الجمهورية على ضرورة الشروع في العملية واقتناء اللقاح، الأمر الذي درس في اجتماع ترأسه الوزير الأول رفقة أعضاء من لجنة متابعة الوباء الأسبوع الماضي.

الجيش الأبيض يقف سدا منيعا ومكافأة منتظرة بعد الوباء

منذ بداية الجائحة الصحية، ظهر مصطلح “الجيش الأبيض” في إشارة إلى عمال السلك الطبي، الذين تجندوا منذ البداية ضد الفيروس المستجد، وكانوا أكثر من دفع الثمن بحصيلة بلغت 7 آلاف إصابة وأكثر من 140 وفاة سجلت وسط عمال القطاع، وهي التضحيات التي لم تثنهم عن القيام بواجبهم في حماية الصحة العمومية، رغم الإجراءات المفروضة عليهم من منع الخروج في عطل، والعمل في إطار مناوبات قاسية في بعض الأحيان وحتى التجند في مستشفيات بعيدة عن مقرات عملهم الأصلية.

وكان خطاب الرئيس واضحا في هذا السياق حيث أكد على وقوفه مع عمال السلك، داعيا جميع المسؤولين إلى تحفيزهم وشكرهم في كل مرة على التضحيات التي يقدمونها، مع إقرار منحة خاصة لكل الأطباء الذين يواجهون الوباء، ووعدهم بمكافأة خاصة بعد التغلب على الفيروس.

الجائحة تجمد المشاريع التنموية وتؤجل “التغيير” إلى وقت لاحق

رغم النسق المتسارع في تجسيد التغيير الذي شرع فيه رئيس الجمهورية مباشرة بعد انتخابه على رأس البلد، بتشكيل الحكومة وصياغة مخطط عملها، لإنقاذ الاقتصاد الوطني، إلا أن كل هذه المشاريع تعرضت للعرقلة بسبب الجائحة التي فرضت توقف العمل في عديد الورشات، وأخرت البت في مصير عديد المشاريع التي كان يفترض أن تتم منذ بداية السنة.
وكان للانهيار الكبير في أسعار النفط وبلوغها 0 دولار للبرميل لأول مرة الأثر الكبير في فرض الجزائر لسياسة تقشفية كبيرة على المستوى الحكومي، حيث تم إقرار عدة قرارات بهذا الخصوص على غرار خفض ميزانية الاستيراد بـ 10 ملايير دولار كاملة، رافقتها سياسية تقشفية أخرى على مستوى الانفاق الحكومي.

مناطق الظل تحظى باهتمام رئاسي في انتظار الحلول الميدانية

منذ أول اجتماع للحكومة والولاة مطلع السنة الجارية برئاسة عبد المجيد تبون، الذي طرح فيه لأول مرة مفهوم “مناطق الظل”، في إشارة إلى المناطق المحرومة من التنمية، والتي عاشت في الهامش منذ الاستقلال ولم تستفد من حقها في ثروات الوطن على غرار مختلف المناطق الأخرى، مع مطالبة الولاة بجعلها أولويتهم القصوى في ظل تشديد الرئيس على أنه يرفض أن يكون في الجزائر “مواطنون درجة ثانية”، حيث شرعت السلطات في إحصاء مناطق الظل ليتضح بأنها لم تكن مجرد مناطق معزولة بل تجمعات هائلة تضم 15 مليون جزائري، وعشرات آلاف البؤر.

ولم يقتصر برنامج الرئيس لدعم هذه المناطق في توعية الولاة ودعوتهم للتركيز على تنميتها، مع الإبقاء على خيار المحاسبة في حال الفشل، حيث قام الرئيس بتعيين مستشار خاص بترقية تلك المناطق، بالإضافة إلى تسطير ما يفوق 12 ألف مشروع تنموي، بميزانية تعدت 11 ألف مليار، مع فرض متابعة مستمرة لوتيرة الإنجاز وفضح كل عمليات التزييف عبر الإعلام.

الجزائر والعالم يودعان أخيرا 2020 فهل يكون القادم أجمل؟

يودع الجزائريون على غرار سكان العالم سنة 2020 التي أجمع العالم على أنها أسوأ سنة مرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد مرت كلها دموعا وآلاما لم تسلم منها لا دول قوية ولا ضعيفة، خصوصا وأن الفيروس المستجد لم يكن يفرق بين العالمين، بالإضافة إلى أن أكبر عدد من الخسائر البشرية تم تسجيلها في البلدان الغربية.

ويأمل الجزائريون في أن يكون العام الجديد أحسن من سابقه في ظل التحديات الكبيرة التي تعرفها البلاد، وعلى رأسها استئناف مسيرة التغيير والبناء، والمرور إلى الجزائر الجديدة، مع الإبقاء على مسعى تجاوز انتكاسات الماضي ببناء مستقبل أجمل.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.