شهر شعبان والحذر من الغفلة

0 62

قال تعالى: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 1 – 3].

وتزداد الغفلةُ ويزداد الإعراض عن الله وآياته – ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله! ونحن مقبِلون على شهر يغفُل عنه الناس، وكان الأَوْلى بهم اليَقَظة والتذكُّر والرجوع إلى الرحيم الرحمن – إنَّه شهر شعبان الذي يغفُل الناس عنه بين رجَب ورمضان، الذي خصَّه الله – عزَّ وجلَّ – بفضيلة رفْع أعمال العِباد فيه؛ ولأجْل هذه الفضيلة كان النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – يخصُّه بالصِّيام أكثرَ مِن غيره ما خلاَ رمضان؛ فعن أُسامة بن زيد – رضي الله عنهما – قال: قلت: يا رسولَ الله، لم أرَك تصوم شهرًا مِن الشُّهور ما تصومُ مِن شعبان؟! قال: “ذلك شهرٌ يغفُل الناس عنه بين رجَب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفَع فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يُرفَع عمِلي وأنا صائِم”؛ مسند أحمد وسُنن النَّسائي، وحسَّنه الألباني.

وفي الصحيحين عن أمِّ المؤمنين عائشة – رضي الله عنهَا – قالت: “ما رأيتُ رسولَ اللَّهِ – صلَّى الله عليه وسلَّم – استكملَ صِيامَ شهر قطُّ إلاَّ رَمَضان، وَما رَأَيْتُهُ في شَهْرٍ أكْثَرَ مِنه صِيَامًا في شَعْبَان”؛ متفق عليه.

فمع الصِّيام يتأكَّد استحبابُ العبادات في هذا الشَّهْر الكريم، والإكثارُ مِن الصدقة وتِلاوة القرآن؛ فقدْ كان عمرو بن قيس الملائي – رحمه الله تعالى – إذا دخَل شهر شعبان أغْلَق حانوته (دكَّانه/ متجرَه)، وتفرَّغ لقِراءة القرآن في شعبان ورمضان، وكان الحسنُ بن شُهَيل – رحمه الله تعالى – يُكثر فيهما مِن قراءة القرآن، ويقول: “ربِّ جعلتني بين شهرين عظيمين”.

• وإذا كان ترْك المحرماتِ واجبًا في كلِّ وقت، فترْكُ المحرَّمات واجبٌ مؤكَّد أكثرَ في هذا الشَّهْر أشد مِن غيرِه؛ فكما أنَّ الحسناتِ تُضاعَف في الأوقات والأماكن، فإنَّ السيِّئات تُضاعَف فيها أيضًا، فعَلَى العبدِ المسلِم أن يبادرَ إلى ترْك المحرَّمات في هذا الشَّهر؛ فإنَّ الأعمالَ تُرفَع فيه، ولعلَّه يُوافيه أجلُه، ويكون عمله فيه آخِرَ أعماله المرفوعة، فيُختَم له بالحُسْنى إن أحْسَن، وبالسُّوء إنْ أساء – عافانا الله وجميع المسلمين مِن خاتمة السوء.

والعبادة في الهَرْج وكثرة غفلةِ الناس عن طاعةِ ربِّ الناس كهجرةٍ مع النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – وهي دليلٌ على قوَّة إيمان العبد، بل على العبد أن يزداد تمسُّكًا كلما رأى تفريطَ الناس لا العكس – كما هو مشاهَد؛ يقول الحافظ ابنُ رجب الحنبلي – رحمه الله – شارحًا قوله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عنه)): “فيه دليلٌ على استحباب عِمارة أوقاتِ غفْلة الناس بالطاعة، وأنَّ ذلك محبوبٌ عندَ الله – عزَّ وجلَّ.

مَضَى رَجَبٌ وَمَا أَحْسَنْتَ فِيهِ
وَهَذَا شَهْرُ شَعْبَانَ المُبَارَكْ
فَيَا مَنْ ضَيَّعَ الأَوْقَاتَ جَهْلاً
بِحُرْمَتِهَا أَفِقْ وَاحْذَرْ بَوارَكْ
فَسَوْفَ تُفَارِقُ اللَّذَّاتِ قَسْرًا
وَيُخْلِي المَوْتُ كُرْهًا مِنْكَ دَارَكْ
تَدَارَكْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطَايَا
بِتَوْبَةِ مُخْلِصٍ وَاجْعَلْ مَدَارَكْ
عَلَى طَلَبِ السَّلاَمَةِ مِنْ جَحِيمٍ
فَخَيْرُ ذَوِي الجَرَائِمِ مَنْ تَدَارَكْ
فتدارك واستجب، وتذكَّر واحذرِ الغفلةَ، قبل أن يُحالَ بيْنك وبين قلبِك، وقبل أن تُنْسَى ممَّن لا يغفل ولا ينام!
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 24 – 25]. وقال تعالى: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ [التوبة: 67]!

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.