فرنسا تعترف بقوة الجيش الجزائري واستقلاليته

0 4٬333

اعترفت فرنسا الرسمية أخيرا، بقوة الجيش الجزائري واستقلاليته، حيث اضطرت السفارة الفرنسية بالجزائر، إلى نفي تأويلات لتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي أثارت ضجة واسعة في الجزائر، حول مشاركة الجيش الوطني الشعبي في عمليات عسكرية لمكافحة الإرهاب تحت قيادة فرنسية بدول الساحل الإفريقي.

واضطرت السفارة الفرنسية بالجزائر، أمس الأربعاء، تحت وقع تفنيد قاطع من الجزائر، في تصريحات وبيانات متوالية، من وزارة الدفاع الجزائرية، ووزير الخارجية بوقادوم، وحتى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الذي حسم الأمر في حواره التلفزي الأخير عندما أكد “لن نرسل أبناءنا للقتال في الساحل”، إلى الخروج عن صمتها ولو متأخرة، لتؤكد أن “المعلومات التي تم تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي وتخص تصريحات الرئيس الفرنسي خلال ندوة قادة الدول الأعضاء في مجموعة الخمس حول مشاركة الجيش الجزائري في عملية عسكرية في الساحل مغلوطة”.

وأوضحت السفارة أن “الرئيس ماكرون لم يؤكد البتة، خلال ندوة رؤساء الدول الأعضاء في مجموعة الـ 5 ساحل، أن الجزائر التزمت بالمشاركة في تدخل عسكري في إطار هذه القوة”.

وأن الرئيس ماكرون قد “رحب بالالتزام السياسي للجزائر عقب انعقاد اجتماع متابعة اتفاق الجزائر بكيدال يوم 11 فبراير”، وبالتالي فلا توجد أي إشارة للالتزام العسكري.

ويستغرب تأخر السلطات الفرنسية، وعلى رأسها السفارة الفرنسية بالجزائر، إصدار هكذا بيان كل هذا الوقت (من 1 فيفري إلى 03 مارس)، رغم الضجة الهائلة التي أثارتها تصريحات ماكرون “الملتبسة” تلك، والتي تداولتها وسائل إعلام عالمية، مدعية أن الأمر يتعلق بمشاركة الجيش الجزائري في عمليات بالساحل تحت قيادة الجيش الفرنسي.

كما أن تلك التصريحات الملتبسة للرئيس ماكرون، استغلتها بعض الأطراف الجزائرية المعارضة في الداخل والخارج شر استغلال، حيث روجت منصات الفتنة المعروفة، إلى أن الجزائر تتعرض للخيانة من طرف القيادة الجزائرية الجديدة، بقبولها إرسال أبناء الشعب الجزائري للموت خارج الوطن ضمن منطق ميليشياوي خدمة لمصالح فرنسا والقوى المهيمنة، وهو الأمر الذي أثار غضبا واسعا، وكان سببا وراء إطلاق تلك المنصات المعارضة المعادية، شعارات في غاية الخطورة ضد المؤسسة العسكرية، وصل بها الأمر إلى حد الدعوة علانية إلى التمرد.

ويذكر هذا النفي الفرنسي شبه المتأخر، بالضجة التي أحدثها إقدام الجانب الفرنسي على نشر في الجريدة الرسمية للجمهورية الفرنسية في الفاتح أكتوبر 2015 القرار الوزاري المشترك المتضمن نظام التعويضات الخاص بالفرق العسكرية الفرنسية المشاركة في عمليات خارجية، مدرجة فيه اسم الجزائر، قبل أن تقدم السفارة الفرنسية بالجزائر وقتها بعد عدة أيام بإصدار بيان أكدت فيه أنه تم إدراج الجزائر بالخطأ في هذا القرار وهي غير معنية بهذه الإجراءات، ثم يتم سحب القرار من قبل الوزراء الموقعين.

ولا يمكن للمتابعين المنصفين للوضع الجيوسياسي والاستراتيجي لمنطقة الساحل والدور الجزائري المحوري فيه، أن يتصوروا مجرد التصور دخول الجيش الجزائري بثقله ووزنه الإقليمي الكبير، ضمن الاستراتيجية أو القيادة الفرنسية، أولا لاعتبارات قوة الجيش، وثانيا بسبب التراكمات التاريخية والموقف الشعبي الرافض بالمطلق لأي تبعية نحو فرنسا وخاصة إذا كانت عسكرية.

وبالتالي فإن فرنسا التي تكون بسبب ضائقتها المالية وأزمتها الاقتصادية المتشعبة، قد قررت خفض تواجدها العسكري في الساحل الإفريقي، بعد هزيمتها الواضحة أمام الجماعات المسلحة، لا يمكنها أن ّتوظف ” الجزائر لخدمة مصالحها، لأن الجزائر والجيش الجزائري يمتلكان مقاربتهما الخاصة للوضع في هذه المنطقة.

وبينما تفضل فرنسا التدخل العسكري المباشر في دول الساحل، عبر تثبيت قواعدها العسكرية ذات الطبيعة الاستعمارية، ونشر طيرانها الحربي (الميراج والرافال) بالإضافة الى طائرات بدون طيار، والتحرك ضمن القيادة الفرنسية لمجموعة الخمسة التي تشكلت عام 2017، تفضل المقاربة الجزائرية، التحرك ضمن مجموعة دول الميدان التي تشكلت عام 2010، ولجنة الأركان العملياتية المشتركة التي مقرها بمدينة تمنراست، من خلال الاستفادة المشتركة من آليات التعاون الأمني، وتبادل المعلومات، وتنسيق الأعمال على جانبي الحدود المشتركة للدول الأعضاء، مع تولي كل دولة من دول الساحل مواجهة المجموعات المسلحة داخل أراضيها.

وتنطلق المقاربة الجزائرية من إدراك عميق للدور الاستعماري الفرنسي المعروف تاريخيا، والذي اكتوت به الجزائر عقودا طويلة، ومدى الشعور الوطني والديني الكبير الموجود بدول الساحل والصحراء، الرافض للقوى الأجنبية، لمنع الجماعات المسلحة من استغلال ذلك الشعور الوطني والديني لتجنيد العناصر وتوسيع نشاط الجماعات المسلحة.

كما تدرك الجزائر الورطة الرهيبة التي تعيشها القوات الفرنسية في منطقة الساحل، منذ إطلاقها عملية برخان العسكرية، وزجها بأكثر من 5 آلاف جندي فرنسي في المنطقة، حيث فشلت هذه العملية رغم دعم جيوش الاتحاد الافريقي واستقدام تعزيزات وقوات إضافية من دول أوربية، إلى جانب الدعم اللوجيستي الأمريكي، في تحقيق أي نتائج ملموسة أمام جماعات مسلحة، توظف العامل الديني جيدا لطرد القوات الغازية “الكافرة”.

وبالتالي لا يمكن إدراج مثل هذه “التلفيقات” المقصودة أو غير المقصودة، ومثل هذه الشائعات، إلا ضمن مخطط استهداف الجيش الذي انطلق منذ مدة طويلة، بدليل استمرارية تلك الأطراف المعروفة بعدائها للجيش، في ترويج هذه الادعاءات الباطلة، على الرغم من نفي وزارتي الدفاع والخارجية، ودخول رئيس الجمهورية على خط نفي هذه الاشاعات، ومع ذلك تطلب الأمر صدور بيان رسمي من السفارة الفرنسية حتى تلقم الكلاب النابحة التي تجاهلت نص الدستور الواضح واتبعت الإشاعات، أحجارا في فمها، لتحترق معها ورقة إضافية من أوراق الفتنة بغرض تحريك الشارع والانقلاب على الدولة.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.