قصة سيدنا سليمان عليه السلام (4)

0 1٬853

قصة سليمان مع الخيل (2):
لما غربت الشمس انتبه سليمان عليه السلام وكان عنده صلاة قبل أن تغرب الشمس، لكن فاتت الصلاة خرج وقتها، غابت الشمس وغابت، لقد ألهاه ذاك الاستعراض عن ذكر الله، وقد قال تعالى عن الصلاة: ((وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)) [العنكبوت: 45]، فالصلاة من ذكر الله، قال: ((إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي)) [ص: 32]، انتبه فجأة، رجع إلى نفسه، ماذا فعلت فقال نادمًا على ما مضى منه: ((إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي)) [ص: 32]، معنى أحببت: هنا يعني آثرت، حُبَّ الْخَيْرِ : يسمى المال عمومًا خيرًا، قال تعالى: ((وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)) [العاديات: 8]، والخير هو المال، ((إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي)) [ص: 32].
وإذا قال شخص: هل الحبُّ يُحَب؟ ما معنى أَحْبَبْتُ حُبَّ ؟
فيقال: إن هذا من باب التوكيد، ويلزم من محبة حب الخير أن يحب الخير نفسه، ((إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي)) ، يعني: آثرته على ذكر ربي، وهي صلاة العصر على ما قيل، مع أن الذكر في الأصل أعم من الصلاة، والصحيح أن المراد عموم الذكر الذي يدخل فيه صلاة العصر، هذا الخير في الأصل وهو المال يدخل فيه الخيل، وإلا من جهة العموم يطلق على المال خيرًا، قال تعالى: ((كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ)) [البقرة: 180]، يعني: المال الوفير، وهذه الخيل مال خاص شغله تعلق قلبه به، هذا الخير قد جعله ينسى أن يصلي الصلاة.
((عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ)) [ص: 32]، ما هي التي توارت بالحجاب؟ قال بعضهم: إن السياق في الخيل حتى توارت الخيل بالحجاب الذي كان يحجبها عن سليمان من جبل، أو تل، أو مضمار سباق، فحتى غابت عنه، وهو يتابعها، وبقي ينظر إليها معجبًا بها حتى اختفت وراء الجبل مثلاً، ولما توارت وغابت قال: ((رُدُّوهَا عَلَيَّ)) [ص: 33]، أعيدوها إليّ، فلما صارت أمامه شرع يمسح بسوقه.
وقال بعض المفسرين: إن المراد بقوله: ((حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ)) [ص: 32]، هي الشمس، واستترت بالحجاب، وهو الأرض، لأن الشمس إذا غابت تغوص وتنزل حتى يحجبها، الأرض تحجب الشمس عندما تغيب في الأفق، كما قال عز وجل: ((وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ)) [الكهف: 86].
يعني تغوص في البحر، الشمس ليس في الحقيقة أنها تغوص في البحر، لكن فيما يرى الناظر، فما الذي يستر الشمس ويحجبها الأرض؟ ((حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ)) [ص: 32]، فكانت الأرض حجابًا للشمس.
فإن قال قائل: كيف نفسر توارت بأن المقصود الشمس مع أن الشمس لم يجر لها ذكر؟ بل ليس منصوصًا عليها؟ والسياق في الخيل؟
قد عرفنا القول الأول: أنها في الخيل، لكن متى يمكن أن يكون هناك مضمر حتى توارت يعني الشمس؟ عندما يكون هنالك قرينة، قال تعالى: ((مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ)) [فاطر: 45]، على ظهر من الأرض، ولو لم يجر لها ذكر، العرب تقول: هاجت باردة، وتقصد الريح، والله عز وجل قال: ((فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ)) [الواقعة: 83]، ما هي التي بلغت الحلقوم؟
الروح مع أنه غير منصوص عليها، لكن واضح من السياق، ((إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ)) [المرسلات: 32]، ما هي التي ترمي بشرر كالقصر؟ النار، ولم يتقدم للنار ذكر في الآيات في سورة المرسلات، لكن يجوز الإضمار إذا جرى ذكر الشيء، أو دليل الذكر.
فلو قلنا: هل جرى ذكر الشمس في الآيات؟ لا، هل جرى ذكر دليل يدل عليها في الآيات؟ نعم، ما هو؟ العشي ((إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ)) [ص: 31]، العشي عرفنا أن هذا الوقت من بعد زوال الشمس إلى غروب الشمس، حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ، انقضى وقت العشي، وتوارت الشمس، إذًا الإضمار هنا جائز، وهناك دليل عليه في السياق.
والقول الآخر: حتى توارت الخيل في الميدان المستدير الذي تتسابق فيه، فغابت عن عينه في المسابقة.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.