لماذا يهرب الناس من المساجد؟

0 3٬413

أ. فتحي عبد الستار

من حين لآخر أحب أن أترك منبري، متجولا بين المساجد والزوايا، ومستمعًا إلى مختلف المنابر، محاولا الاطلاع على الواقع الدعوي المنطلق عبر خطب الجمعة.

وقد لاحظت خلال هذه الجولات أمورًا تستحق -في نظري- الانتباه إليها ودراستها، حيث إنها تتعلق بوسيلة أصيلة من أبرز وأهم الوسائل الدعوية، ألا وهي الخطبة.
الجمعة ليست طابورًا مدرسيًّا:

لقد شعرت من هذه الجولات ومن الحوارات مع بعض مرتادي المساجد أن كثيرًا من المسلمين يعتبر صلاة الجمعة مجرد واجب إلزامي، يقبل عليه متثاقلاً، ويقوم به على مضض، كتلميذ مجبر على الذهاب لمدرسته التي يسوقه أبواه إليها سوقًا! وعادة ما نجد الناس توجه اللوم لهذا التلميذ، وتتهمه بالكسل وبرغبته في اللهو وكراهيته للعلم، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إلى حال هذه المدرسة التي يساق إليها هذا التلميذ، وحال معلميها، وحال مناهجها، وحال مرافقها.

وهكذا يوجه الدعاة اللوم للناس على هجرهم للمساجد وتأخرهم في الحضور للجمعة، ونومهم أثناء الخطبة أو الشرود في أثناءها، وانصرافهم السريع بمجرد التسليم وكأنهم حُرِّروا من عقال أو أُخرِجوا من سجن! ونادرًا ما يتساءل الدعاة عن الأسباب التي تدفع الناس لهذا، ولو تساءلوا فإنهم غالبًا ما يرجعون الأسباب إلى تراجع إيمانيات الناس وركونهم إلى الدنيا، دون توجيه النظر إلى المسجد ذاته وما يحدث فيه.

حضور الجمعة موروث ثقافي يجب استثماره:

إن من المستقر في الموروث الثقافي والشعبي عند كثير من عوام المسلمين أن صلاة الجمعة لها مكانة خاصة حتى عند من لا يصلُّون غيرها من الفرائض، حيث يحرص هؤلاء على حضورها، ويتمسكون بالقيام ببعض الطقوس الخاصة التي ارتبطت عندهم بهذا اليوم. وفي الحقيقة -على قصور هذا الاعتقاد وهذا العمل- فإنه يمكن النظر إليه من وجهة إيجابية، بالاستفادة منه في إسماع هؤلاء الناس في هذه الدقائق التي تستغرقها الخطبة ما لا يسمعونه، وتعريفهم ما لا يعرفونه، واضعين في الاعتبار التوجه إليهم بالخطاب الذي يناسبهم، مستثمرين قدومهم الأسبوعي للمسجد في توطيد صلتهم به وتوسيع هامش الرغبة في نفوسهم لزيارته والأنس برحابه في كل الأوقات.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.