مارواه الشيخان!!!…

0 4٬243

يكاد الاثنان لا يذكران إلا معا في الساحة الإعلامية والساحة السياسية، وأعني بهما القياديان في الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، الشيخان عبد القادر بوخمخم وعلي جدي، خاصة بعد الإفراح عنهما في منتصف التسعينات من العشرية الحمراء، فلا تقرأ حوارا إعلاميا أو بيانا سياسيا إلا بتوقيع الثنائي وكأني بهما توأمان !.

لقد كنا نحن الصحفيين في منتصف التسعينات عند الحديث عن القياديين الإسلاميين عبد القادر بوخمخم وعلي جدي نستعمل عبارة “المفرج عنهما” أو “الشيخان”، فلقد تم الإفراج عنهما من قبل رئيس الدولة أنذاك اليامين زروال في إطار الحوار الوطني الذي بادرته السلطة الفعلية مع المعارضة الفاعلة من مختلف الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية، وذلك من أجل تجاوز المأساة الوطنية، كما سُمح بزيارة عباسي مدني وعلي بن حاج في إقامتهما بالعاصمة، وقد كانت بالنسبة إليّ فرصة ذهبية لكي أحقق سبقا صحفيا بإجراء حوار صحفي مع المفرج عنهما لفائدة جريدة “الحوار”، فخضت المغامرة على الرغم من خطورة الوضع الأمني والوضع السياسي، وعلى الرغم من مرور أكثر من ربع قرن على الحوار أو الانفراد أو السبق الصحفي فإنني مازلت أحتفظ بأدق التفاصيل لتلك المغامرة الإعلامية غير المحمودة العواقب !!..

لقد كان علينا في جريدة الحوار أن نواكب الأحداث السياسية بأحاديث إعلامية، فكانت جريدة الحوار اسما على مسمى، ذلك أن الحوار بالنسبة إلينا أسلوب صحفي وأسلوب سياسي ولم نكن نقصي أحدا ينشط في الساحة السياسية، من آيت أحمد إلى عبد الحميد مهري ومن الهاشمي شريف إلى سعيد سعدي ومن لويزة حنون إلى عبد الله جاب الله، وبالعودة إلى الحديث عن المفرج عنهما حديثا في إطار إجراءات التهدئة التي اتخذها يومها رئيس الدولة الجنرال اليامين زروال، فإنني قد تمكنت من الاتصال بالشيخين علي جدي وعبد القادر بوخمخم لأعرض عليهما فكرة الحديث الصحفي لفائدة جريدة الحوار، ولم يمض وقت طويل حتى اتصل بي الشيخ على جدي من بيته ليؤكد لي قبول إجراء الحوار لكن على شرط أن تكون الأسئلة مكتوبة ليتم الرد عليها بأجوبة مكتوبة، ولو أنني لا أحبّذ مثل هذه الطريقة في الحوار الصحفي على الرغم من أريحيتها، فإنني تفهمت الموقف، فالكلمة مسؤولية وخاصة في تلك اللحظة الحرجة، فلقد يخاف السياسي من الإعلامي أن يقوّله ما لم يقل، فالكتابة أفضل شهادة من التسجيل الصوتي !!!..

أرسلت الأسئلة التي عصرت فيها مخي، ليتصل بي بعدها ثانية علي جدي ليقول لي إنه وأخاه عبد القادر بوخمخم قد أجابا على أسئلتي الحوارية، فتوجهت إليه وقد كان موعد الغداء ولم يتركني الشيخ علي جدي أخرج من بيته حتى أتناول الغداء معه رفقة عبد القادر بوخمخم، فكان ذلك وبعد الزوال عدت إلى الجريدة بصيد إعلامي ثمين وياله من صيد ، كان ذلك يوم الأربعاء وفي عدد يوم الخميس لم ننشر الحديث ولكننا أشرنا إليه في فقرة قصيرة دون أن نفصح عن محتواه، وقلنا بأنه سوف يصدر كاملا يوم السبت، وذلك لكي نخلق المزيد من التشوق والانتظار والترقب !.

تلقفت وكالة الأنباء الفرنسية السبق الصحفي، وتبعتها الكثير من وكالات الأنباء العالمية، وقد اتصل بي رئيس مكتب وكالة الأنباء الفرنسية في الجزائر العاصمة وبنوع من الغباوة راح يسألني عن محتوى الحديث الصحفي، فقلت له سوف تطلع عليه يوم السبت القادم، وكان الوحيد الذي اطلع على الحوار كاملا قبل النشر هو المرحوم عبد الحميد مهري الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني يومذاك، ليس بصفته مسؤول النشر بالجريدة ومن حقه ذلك، بل لأنه قد كان يوم الخميس يتأهب للسفر إلى القاهرة وليكون على دراية بموقف المفرج عنهما جدي وبوخمخم من مستجدات الساحة السياسية حيث أن قيادة الإنقاذ عباسي وبن حاج قد فوّضهما في الحوار السياسي مع السلطة الفعلية !!!..

لقد صدر الحوار في جريدة الحوار من غير أن ننقص كلمة واحدة مما رواه الشيخان واللذين سوف يتحولان بالنسبة إليّ إلى مصدر إعلامي هام جدا، خاصة بالنسبة إلى القيادة السياسية للحزب المحظور والتي انتقلت من السجن العسكري بالبليدة إلى الإقامة الجبرية بالجزائر العاصمة، وفي تلك الفترة توطدت علاقتي كثيرا بالشيخ عبد القادر بوخمخم الذي كنت ألتقيه من حين إلى آخر في مكتبه في شارع رضا حوحو الذي لم يكن بعيدا جدا عن مقر جريدة الحوار التي كانت تصدر في شارع الدكتور سعدان .

لقد كان الحزب المحظور في ذلك الوقت هو الذي يصنع الحدث الإعلامي في العديد من المواقف، فكان محط أنظار الرأي العام في الداخل والخارج، وحدث مرة أن عدت من مكتب الشيخ عبد القادر بوخمخم وفي الجريدة سألني الزميل مصطفى هميسي مدير جريدة الحوار وقال هل من جديد، قلت لا شيء، واستطردت أن الشيخ بوخمخم أخبرني بأن عباسي وبن حاج يقبلان في مقر إقامتهما بزيارة كل الشخصيات السياسية ما عدا الشيخ محفوظ نحناح، فضحك مصطفى وقال : هذا هو الجديد، فاشحذ قلمك، هذا هو الموضوع الافتتاحي: عباسي وبن حاج يرفضان لقاء نحناح !!!…

إيه، لقد كبرت طموحاتي الإعلامية، حتى كاد الطموح يتحول إلى طمع، فأخبرت الأستاذ مصطفى هميسي أنني سوف أجرى حديثا صحفيا مع الثنائي عباسي وبن حاج عن طريق بوخمخم الذي كلمته في الموضوع ورحب بالفكرة وقال لي جهّز الأسئلة وسوف أسلمها لهما في زيارتي القادمة لهما، يا لها من فكرة مجنونة تحمس لها كثيرا الصديق مصطفى، وقال لي: سوف تكون خبطة إعلامية كبيرة . ولكن للأسف ظهر على الركح السياسي شخص يظهر أول مرة لم يكن معروفا من قبل اسمه أحمد أويحيى ليعلن وقف الحوار السياسي، ليظهر بعدها رئيس الدولة اليامين زروال ليؤكد توقيف مسار الحوار السياسي ليعلن إجراء انتخابات رئاسية ويقول إن الحوار يكون مع الشعب عن طريق الانتخابات !.

توقف الحوار السياسي وتبخر حلم الحوار الإعلامي، ولم تمض سوى أيام معدودات حتى توقف السلطة جريدة الحوار وتمنعها من الصدور دون حكم قضائي، وهي إلى اليوم ممنوعة من الصدور بعد أكثر من ربع قرن، رحم الله عبد الحميد مهري ورحم الله عبد القادر بوخمخم !!!…

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.