من قصص النساء الصالحات

0 1٬062

إزالة الجهل عن نفسها بتعلم العلم الشرعي:

لقد بلغ حرص النساء المسلمات على العلم غايته حتى تطلبن المجالس الخاصة بهن للتعليم مع أنهن يستمعن في المسجد لتعليمه ومواعظه صَلى الله عليه وسلم.

كذلك نجد النبي صَلى الله عليه وسلم يسن للنساء سنة مؤكدة، ألا وهي: شهود مجامع الخير يتزودن منها: فعن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله صَلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيتعزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين… قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: ((لتلبسها أختها من جلبابها)).

♦ وجاء في ((فتوح البلدان)) للبلاذري: أن أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها كانت تتعلم الكتابة في الجاهلية على يد امرأة كاتبة تدعى (الشفاء العدوية))، فلما تزوجها صَلى الله عليه وسلم طلب إلى الشفاء أن تعلمها تحسين الخط وتزيينه كما علمتها أصل الكتابة.

♦ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)).

لقد أقبلت المرأة المسلمة على العلم منذ أكرمها الله تعالى بالإسلام، فنهلت من معينه، وأخذت منه بسهم وافر:

فهذه: الصديقة بنت الإمام الصديق الأكبر، خير من طلعت عليه الشمس بعد الأنبياء والمرسلين، رفيق رسول الله صَلى الله عليه وسلم في الغار، ومُعينه في الأسفار، ووزيره في عهده، وخليفته بحق من بعده، رضي الله عنه وعن ابنته، القرشية، التيمية، المكية، أم المؤمنين، زوجة نبينا محمد صَلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، وحبيبة خليل الله صَلى الله عليه وسلم، الفقيهة الربانية، المبرأة من فوق سبع سموات، أفقه نساء هذه الأمة على الإطلاق، تزوج بها سيد الأولين والآخرين صَلى الله عليه وسلم وهي بنت تسع سنوات، وهو صَلى الله عليه وسلم ابن أربع وخمسين سنة، وأقام معها تسع سنوات، ومات عنها وهو ابن ثلاث وستين سنة، وهي لم تخط بعد إلى التاسعة عشرة، على أنها ملأت أرجاء الأرض علمًا، فهي في رواية الحديث نسيج وحدها، وعت من أحاديث رسول الله صَلى الله عليه وسلم ما لم تعه من نسائه، وروت عنه ما يروِ مثله أحد من الصحابة إلا أبا هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

قال الحافظ الذهبي رحمه الله: (روت عنه صَلى الله عليه وسلم علمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وعن أبيها، وعن عمر، وفاطمة، وسعد، وحمزة بن عمرو الأسلمي، وجُدامة بنت وهب).

عاشت بعد رسول الله صَلى الله عليه وسلم خمسين سنة، وتوفيت ولها من العمر ثمان وستون سنة.

قال الحافظ الذهبي رحمه الله: ((وكانت امرأة بيضاء اللون، ومن ثم يقال لها: الحميراء، ولم يتزوج النبي صَلى الله عليه وسلم بكرًا غيرها، ولا أحب امرأة حُبها، ولا أعلم في أمة محمد صَلى الله عليه وسلم، بل ولا في النساء مطلقًا، امرأة أعلم منها، وذهب بعض العلماء إلى أنها أفضل من أبيها، وهذا مردود، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا، بل نشهد أنها زوجة نبينا صَلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فهل فوق ذلك مفخر؟)).

وعن أنس مرفوعًا: ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)).

وعنها رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: ((يا عائشُ، هذا جبريل وهو يقرأ عليك السلام)) قالت: ((وعليه السلام ورحمة الله، ترى ما لا نَرى يا رسول الله)).

لقد كانت رضي الله عنها إحدى المجتهدات من أنفذ الناس رأيًا في أصول الدين ودقائق الكتاب المبين، وكانت رضي الله عنها تحسن أن تقرأ، ولم يكن يعرف ذلك إلا عدد محدود من أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم، وكم كان لها رضي الله عنها من استدراكات على الصحابة وملاحظات، فإذا علموا بذلك منها رجعوا إلى قولها.

قال أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا.

وقال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد صَلى الله عليه وسلم يسألونها عن الفرائض.

وقيل لمسروق: كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: والله لقد رأيت أصحاب محمد صَلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض.

وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة.

قال الزهري: لو جمع علم الناس كلهم، وأمهات المؤمنين، لكانت عائشة أوسعهم علمًا.

وعنه أيضًا قال: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل.

قال الذهبي رحمه الله: مسند عائشة يبلغ ألفين ومائتين وعشرة أحاديث، اتفق لها البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، وانفرد مسلم بتسعة وستين.

وذكرها رضي الله عنها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقاته في جملة فقهاء الصحابة، ولما ذكر ابن حزم أسماء الصحابة الذين رويت عنهم الفتاوى في الأحكام على مزية كثرة ما نقل عنهم، قدم عائشة على سائر الصحابة، وقال الحافظ أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي الميانشي في كتاب ((إيضاح ما لا يسع المحدث جهله): اشتمل كتاب البخاري ومسلم على ألف حديث ومائتي حديث من الأحكام فروت عائشة من جملة الكتابين مائتين ونيفًا وتسعين حديثًا لم يخرج عن الأحكام منها إلا يسير، قال الحاكم أبو عبد الله: فحُمل عنها ربع الشريعة.

وعن عروة بن الزبير قال: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة رضي الله عنها

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.