من يدفع الحراك نحو هاوية السقوط الأخلاقي؟

0 1٬721

تلعب أوساط انفصالية وأخرى قريبة من الإرهاب، كما أشار إلى ذلك بيان المجلس الأعلى للأمن الأخير، أدوارا خطيرة في انحراف الحراك الشعبي عن مساره الأصيل، ولعل أخطر الجوانب التي تشتغل عليها هذه الأوساط لإحداث الفوضى والصدام بين الشعب ومؤسسات الدولة، هو هذا الكم الرهيب من السقوط الأخلاقي الذي بات ملاحظا على تحركات بعض من يسمون أنفسهم بالحراكيين، والتي وصلت حدودا غير مسبوقة كاستغلال الأطفال القصر لأهداف سياسية، واتهام مؤسسات الدولة الأمنية بممارسة الاغتصاب في مقراتها لتأليب الرأيين العام المحلي والدولي عليها، عبر الأكاذيب واختلاق فيديوهات مفبركة واجتزاء تصريحات وإخراجها عن سياقها بطريقة بذيئة، تجعل من أصحابها بعيدين كل البعد عن قيم الحرية والثورية التي يتغنون بها زورا وبهتانا.

وقبل أن تصل محطة ثوار فض غشاء البكارة الرجالية إلى هذا المستوى من الانحطاط، من خلال ما بات يعرف بقضية الطفل شتوان، كان السقوط الأخلاقي لهذه الشرذمة قد بدأ باكرا، منذ بدأت الصفوف تتمايز داخل الحراك بين أنصار الحل الدستوري وأنصار المرحلة الانتقالية، حيث لم يتردد هؤلاء في الاعتداء وسب وشتم نساء وعجائز داخل الحراك نفسه جريمتهم الوحيدة رفعهم لصور ابن باديس والعربي بن مهيدي، وإيمانهم بالقيم النوفمبرية، حيث تم طردهم وإهانتهم بطريقة فتحت الأبواب على سيل من السقوط الأخلاقي الذي لم يكن معروفا وقتها وسط الحراك إطلاقا، وازداد الأمر سوءا مع بداية الحملة الانتخابية لانتخابات الرئاسة في 12/12 عام 2019، أين شاهد الجزائريون ومعهم العالم كله، الطرق غير الأخلاقية التي انجر إليها بعض أدعياء الحراك في إهانة أفراد الشرطة عبر تقديم أطباق الكاشير لهم، وتطور الأمر إلى حد الاعتداءات اللفظية والجسدية ضد المواطنين الذين قرروا المشاركة في تلك الانتخابات، خاصة في مناطق المهجر، حيث تم تسجيل الكثير من الاعتداءات ضد المسنين كما تم منع مواطنين كثر من أداء واجبهم بالقوة في منطقة القبائل وقام بعضهم ببناء جدران إسمنتية على مداخل بعض البلديات، وتكسير مراكز الاقتراع وصناديق الانتخابات.

وتطور الوضع إلى إعلان معاداة صريحة لمؤسسة الجيش بعد أن كان الحراك الأصيل ينادي بملايينه في الشوارع (جيش شعب خاوة خاوة)، ليصير بين عشية وضحاها هذا الجيش جيش استعمار، ومعه ترتفع الشعارات برمي الجنرالات إلى المزابل..

الأخطر أن التطرف الذي أحدثته تلك الأوساط الانفصالية أو القريبة من دوائر الإرهاب، لم يتوقف عند هذا الحد، بل تعداه إلى حملة من التخوينات والتخوينات المضادة بين فصيل “الأحرار” أنفسهم، وصلت الى حد كشف أوراقهم بعضا لبعض، واتهام كل من يخالف تلك الأوساط الانفصالية والقريبة من الإرهاب، بأنه من المخابرات، وإلى رفع شعارات استفزازية في غاية الخطورة، تتهم جهاز المخابرات بالإرهاب، وتتعامل مع الدولة على أنها “دولة ولاد لحرام” !

وطبيعي بعد ذلك، أن من يتحدث عن “أولاد لحرام” بهذا الشكل المبتذل، لا يمكنه أن يكون من أولاد لحلال، بل إن الحرام يتحول عندهم إلى وسيلة لتحقيق الغايات مهما كان ذلك الحرام موغلا في الإثم، وقد شكلت قضية وليد نقيش الذي اتهم جهاز الأمن بالاغتصاب، وما أحدثته من ضجة واسعة وصلت لأول مرة إلى أروقة الأمم المتحدة من خلال لجنة حقوق الإنسان، فرصة ذهبية لقناصي الفرص لكي يجعلوا منها سجلا تجاريا لضرب مؤسسات الدولة الأمنية ووصمها جميعا بالإرهاب والاغتصاب، كما أن الحجم الإعلامي والسياسي الذي أخذته القضية، دفع بصناع الفتن من الباحثين عن عذرية ثورية، إلى المراهنة على “حكاية الاغتصابات” لما لها من تأثير نفسي كبير على الشارع الجزائري وعلى المنظمات الحقوقية الدولية، فكانت حادثة الطفل شتوان التي جاءت بعد مدة قصيرة جدا من حادثة وليد نقيش، لتثبت أن القضية “مخدومة” ومرتبطة بالقضية الأولى في محاولة لتثبيت صورة نمطية وسخة عن أجهزة الدولة الأمنية، ولو باعتماد الأكاذيب والفبركات المفضوحة التي أكدت التحريات جميعها أنها من صناعة نفس الجهات الحاقدة.

لقد وصل الفجور في الخصومة، إلى حد استغلال الأطفال القصر في قضايا سياسية لا يفقهون منها شيئا، بل وإلى تشويه براءتهم عبر فرية “الاغتصاب” وانتهاك الشرف، ومن ذلك أنه بدلا من التكفل بالطفل شتوان، خرج هؤلاء ليعلنوا تضامنهم المغرض حتى أن ما يسمى (راديو أم) سارع لنشر مقال يحمل صورة الطفل بعنوان:”فضيحة في الجزائر، الطفل شيتون يتعرض للاغتصاب من طرف الشرطة”.. رغم أن الطفل نفسه لم يقل ذلك إطلاقا، وقد كشف نقيب المحامين عبد المجيد سليني عن حيثيات القضية مؤكدا أنها قضية “مدبرة والهدف منها استهداف الجزائر وأمنها ووحدتها”، مؤكدا أن “القاصر الذي لا يتجاوز عمره 15 عاما يقيم مع 5 شبان تترواح أعمارهم بين 22 سنة و 29 سنة في “فيلا” مستأجرة بعين البنيان”.

وأمام هذه التطورات الخطيرة، وهذا السقوط الأخلاقي والمتاجرة السياسية والاستغلال الوحشي للطفولة، وكل عمليات التشويه والتشهير والابتزاز، يصبح تسامح الدولة مع هذه الانحرافات كما أكد ذلك الرئيس تبون في أعقاب اجتماعه بالمجلس الأعلى للأمن، أمرا غير ممكن، وبالتالي فقد قدم هؤلاء المزايدون المبررات اللازمة لسلطة الدولة لتطبيق القانون ضد هذه الانتهاكات والتجاوزات غير المسبوقة، وإذا حدث أن تعرض الحراك بعد هذا إلى أي أذى، فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتق تجار الفتنة في الداخل والخارج، وسيكتب التاريخ ذلك.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.