مَالٌ يَقُودُ إِلَى الْجَنَّةِ (1)

0 2٬870

إن من حكمة الله تعالى في خلقه أن قسم المعيشة بين عباده، فمنهم غني وفقير، منهم من لا يعجز عن إحصاء ماله، ومنهم من لا يملك ولا يقدر على خبزة أو شربة ماء، فسبحان من بيده خزائن السموات والأرض!

ولولا الفقر لما عرف الناس نعمة المال، ولولا الغنى لما عرف الناس فتنة المال.

نعم أيها الغني، يا من رزقك الله تعالى مالا وديارا، وجنات وأنهارا، قد يسوقك مالك إلى الجنة، إذا عرفت كيف تطيع فيه ربك، وتنال به رضاه، فتبلغ أعلى المراتب وأفضل المنازل، قال النبي صَلى الله عليه وسلم: “إنما الدنيا لأربعة نفر، عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل”

وقد قال فقراء الصحابة رضي الله عنهم للنبي صَلى الله عليه وسلم: “ذهب أهل الدثور بالأجور” فلم ينكر عليهم.

ولقد تنازع العلماء نزاعا طويلا في أيهما خيرٌ الغني: إذا شكر أم الفقير إذا صبر؟ وذهب المحققون منهم إلى أن الغني الشاكر خير من الفقير الصابر، لأن الغنى داع إلى الطغيان والبخل, فمن تغلب على ذلك الداعي, كان برهانا على إيمانه وصدق شكره.

أيها الغني، قد يقودك مالك إلى الجنة، وأول ذلك السبيل أن تحمد الله تعالى وحده على ما آتاك من نعمة المال، متبرئا من حولك وقوتك، وتعبك و”شطارتك”، وتلك أول عبادة لك في مالك، وينبغي أن تعتقد ذلك بقلبك وتقوله بلسانك، قال الله تعالى:” وأما بنعمة ربك فحدث”، فقل قد رزقني الله تعالى هذا المال تفضلا منه ورحمة، بعد أن كنت فقيرا ذليلا، وإياك ثم إياك أن تقول: “إنما أوتيته على علم عندي” كما قاله قارون فخسف الله تعالى به وبداره الأرض، بعض الناس ممن أكرمه الله تعالى بالغنى يقص عليك قصة نجاحه، ومنهم من يؤلف في ذلك كتبا، فيقول سافرت، وسهرت، وبعت واشتريت، وتعبت ونصبت، ولا يذكر الله تعالى قليلا ولا كثيرا، فيقال لهذا: قد تعب مثلك كثير، فلماذا لم ينالوا ما نلت؟ ألأنك أشطر منهم، إن الله تعالى الذي رزقك قد يسلبك مالك في لحظة واحدة فتبقى تقلب كفيك حسرة وندما.

– أظهر نعمة الله تعالى عليك:

إن مما تعبد به ربك سبحانه الذي أغناك من فضله، أن يرى أثر نعمته عليك، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ”، وأخبر النبي صَلى الله عليه وسلم أن هذا ليس من الكبر، فلما سأل رَجُلٌ النبي صَلى الله عليه وسلم قائلا: “إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً”، فقَالَ: “إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ”، وقال الله تعالى: “لينفق ذو سعة من سعته”، ومثل لنفسك، أنك إذا أهديت إلى أخيك ثوبا تحب أن تراه يلبسه وتفرح لذلك، ولله تعالى المثل الأعلى، إذا اهدى إليك شيئا من نعمك فليرى عليك.

ومن الناس من يبتلى بالبخل حتى مع نفسه، فلا يظهر عليه أي أثر من آثار نعمة الله عليه، وبعض الناس يفعل ذلك خوفا من سؤال الفقراء كما فعل أصحاب الجنة في سورة القلم، ومنهم من يكذب كذبا بينا إذا سئل عن حاله، فيقول أنا في شر حال، فهذا من الكفران لنعمة الله تعالى عليه.

– أن تذر ورثتك أغنياء:

إن مما تعبد الله تعالى به في مالك أن يظهر غناك على من تعول من زوجة أو ولد، وتأمل قول النبي صَلى الله عليه وسلم لسعد لما أراد أن يتصدق بكل ماله:”الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ” والنبي صَلى الله عليه وسلم يقول: “ابدأ بمن تعول”، قبل أن تتصدق وتنفق على فلان وفلان، فهم أولى الناس بإحسانك، وإنعامك، كيف تكون غنيا وامرأتك رثة الحال، كيف تكون غنيا وأولادك لا يجدون مؤنة الزواج؟

– حق المال:

يا من تفضل الله عليه بالغنى، إذا أردت أن يسوقك مالك إلى الجنة فأد حقه، وأعظم حق المال الزكاة، التي تقرن بالصلاة في آيات القرآن الكريم، والزكاة زكاة كما يدل عليه اسمها، طهارة لذلك المال وزيادة فيه وبركة، فتعلّم أحكامها، وأخرجها عن طيب نفس، أما المانعون للزكاة الكانزون للمال المتذرعون بالحجج الواهية فنذكرهم بقول الله تعالى: “وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ”، ومن حق المال كل نفقة واجبة عليك كالنفقة على من تعول، وكالعبادات المالية من حج وعمرة وأضحية وجهاد في سبيل الله تعالى.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.