هل تتخلّى قطر وتركيا عن معارضة الخارج الجزائرية؟

0 3٬242

مؤشرات عديدة توحي أن قطر وتركيا في طريقهما للتخلي عن معارضة الخارج الجزائرية، أو على الأقل وقف دعمهما بشكل مباشر، خاصة بعد تحسن العلاقات الجزائرية في الفترة الأخيرة مع كل من الدوحة وأنقرة، ما يوحي أن صفقة ما تكون قد أبرمت معهما، على شاكلة التقارب القطري التركي مع القاهرة نفسها، والتي كان ثمنها قصقصة أجنحة المعارضة المصرية في تركيا وقطر.

المؤشرات في هذا الاتجاه قوية، وقد لاحت أقوى مؤشراتها بعد إجراء قناة الجزيرة القطرية لحوارها الأخير مع الرئيس عبد المجيد تبون، وهي القناة التي ظلت ممنوعة من النشاط طوال زمن بوتفليقة، بعد أن أعاد لها الاعتماد الرئيس تبون ليعود معها مكتب الجزيرة للعمل، وهو الأمر الذي قابلته معارضة الخارج الجزائرية، وعلى رأسها حركة رشاد بغضب شديد، وصل بها الأمر إلى حد اتهام قطر مباشرة من خلال تدخلات بعض رموزها المعروفة بالتواطؤ مع النظام الجزائري.

ومما سجلته هذه المعارضة على قطر بعد لقاء قناة الجزيرة، أن الدوحة تكون قد قررت أن تسير في فلك الأحزاب الإخوانية في الجزائر نفسها، مثل حمس والبناء الوطني وغيرهما في تأييد النظام، بالنظر إلى المصالح الاقتصادية الكبيرة التي تستفيد منها الدوحة بإعادة تقوية علاقاتها مع الجزائر.

وطبيعي هنا أن تسعى الدوحة التي خرجت من حصار خطير وشامل فرضته عليها دول الطوق الخليجي، لاستغلال الفتور في العلاقات الجزائرية الإماراتية بعد إقدام أبو ظبي على فتح قنصلية لها بالعيون المحتلة في الصحراء الغربية، كما تسعى إلى استثمار موقفها الرافض للتطبيع الرسمي مع إسرائيل للوقوف في وجه تحالف المطبعين الجدد (المغرب والإمارات وغيرهما)، خاصة في قضية الموقف من الصحراء الغربيةة.

ولا يختلف الأمر كثيرا مع تركيا، التي ومنذ إقدامها على تسليم العسكري الهارب قرميط بونويرة إلى الجزائر، وهي تسجل نقاطا هامة في إطار التقارب مع الجزائر، وفي معركتها المحتدمة حول النفوذ بينها وبين باريس، وقد استطاع الأتراك بفضل تعاونهم وإظهار نياتهم الحسنة أن يكسبوا ثقة الطرف الجزائري، إلى درجة اعترف فيها الرئيس تبون صراحة في حواره الأخير مع صحيفة “لوبوان” الفرنسية، أن العلاقات بين تركيا والجزائر صارت ممتازة.

ولا يقتصر الأمر هنا على حجم الاستثمار المالي التركي بالجزائر والذي وصل إلى حدود 5 مليارات دولار، وهو رقم هام بدأت به تركيا تنافس فرنسا، وإنما لأن طبيعة الاستثمارات التركية في الجزائر، هي استثمارات بلا شروط سياسية، كما تفعل بعض الدول الأخرى، بقدر ما هي استثمارات اقتصادية منطلقة من مبدأ (رابح/ رابح).

وقد تجسد التقارب الجزائري التركي في الجانب الاستراتيجي في الموقف من الوضع في ليبيا، حيث رفضت الجزائر بداية الدخول في حلف حفتر الإماراتي الفرنسي، لما تعلمه مسبقا من خطورة حفتر ومواقفه العدائية من الجزائر، الأمر الذي دفعها إلى إعلان خطها الأحمر من احتلال طرابلس، وقد أكد ذلك الرئيس تبون بكل وضوح في لقائه الأخير مع الجزيرة، عندما أكد أن الجزائر كانت مستعدة للتدخل بطريقة أو بأخرى للحيلولة دون وقوع طرابلس في أيدي المرتزقة في إشارة إلى قوات حفتر، وما جلبته معها من مرتزقة من روس وتشاديين وسودانيين وسوريين وغيرهم.

وقد جاء التدخل العسكري التركي في ليبيا ليصب في خانة الخط الأحمر الجزائري تماما، مما زاد في توطد العلاقات بين البلدين، قبل أن ينتهي به المطاف أخيرا إلى التوقيع على الاتفاقية البحرية بين تركيا والجزائر، والتي ظلت مجمدة منذ أكثر من عقدين، بكل ما تحمله من دلائل غاية في الأهمية خاصة في ناحية بناء السفن ومواجهة المخاطر المشتركة في البحر المتوسط بما في ذلك التعاون العسكري بكل أبعاده.

وتشير هذه الدلائل وغيرها، إلى أن تركيا وقطر التي خرجت من حصارها الخانق منتصرة على حلف خليجي مصري بفضل الدعم التركي، بصدد بناء إستراتيجية جديدة تقوم على أسس من التقارب مع دول المنطقة، بما ذلك دول الخليج ومصر، بعد أن توصل الجميع إلى قناعة راسخة أن مصالح الجميع تكمن في التقارب في ظل المتغيرات الإستراتيجية الحاصلة خاصة بظهور عوامل ضاغطة جديدة منها بناء سد النهضة الأثيوبي والأزمة الخطيرة بين اليونان وتركيا، وموقع إسرائيل الداعم لليونان وإثيوبيا على حساب تركيا ومصر.

وقد بدا واضحا أن التقارب التركي القطري مع دول الاعتدال العربي، سيكون بالضرورة على حساب معارضة مصر التي تعيش في تركيا وقطر، وهو ما تجسد عمليا بتغيير في الخطاب الإعلامي بين الطرفين، ووقف دعم قنوات المعارضة المصرية.

وبالنظر إلى كل هذه المعطيات، فإن معارضة الخارج الجزائرية، تكاد لا تبتعد كثيرا عن مصير معارضة الخارج المصرية، الأمر الذي إن تأكد سوف يضيق الخناق كثيرا على تلك الأصوات التي ما فتئت تنفخ في نيران الفتنة تحت شعار المعارضة والحراك، وبالتالي لن يبق لهم مكان يلجأون إليه إلا المغرب، وهو ما بدأت مؤشراته واضحة بهجرة الكثير من الرؤوس إلى هذا البلد لكي يعالجون – كما جاء في تعليق مجلة الجيش في عدد جوان الأخير- روماتيزمهم المزمن برمال مراكش.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.