هل تعرف مَن هؤلاء؟ .. إذا!!!!

0 957

قال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفَاتِحَة: 5- 7].

فمخطئٌ خطأً كلِّيا من جميع الوجوه, وعند جميع الخلق؛ من يزعم أنه يعرف الحقّ والصواب كلَّه, صغيرَه وكبيره, دِقَّه وجِلَّه, فإن المجهول لنا من الحق أضعافُ المعلوم. وما لا نريد فعله تهاونًا وكسلاً مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه. وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك. وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر. ونحن محتاجون إلى الهداية التامة. فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام.

ولما كانت الهدايةُ إلى الصراط المستقيم أجلَّ المطالب، ونيلُها أشرفَ المواهب، وحاجةُ العباد إليها أعظمَ من حاجتهم إلى الطعام والشراب والهواء، والكِساء والدواء، أمرنا الله بل فرض علينا أن نسأله إياها في أفضل أحوالنا وهي «الصلاة» مراتٍ متعددة في اليوم والليلة قائلين: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}

والصراط المستقيم: هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه. والهدايةُ إليه: هي البيان والدِّلالة، ثم التوفيقُ والإلهام-, وبعبارة أبسط: هي تعريف ما لم نعلمه من الحق تفصيلاً وإجمالاً، وإلهامنا له، وجعلنا مُريدين لاتِّباعه ظاهرًا وباطنًا، ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل والعزم، ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة؛ فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم. وما لا نريد فعله تهاونًا وكسلاً مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه. وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك. وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر. ونحن محتاجون إلى الهداية التامة. فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام.

{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} نبَّه سبحانه على الرَّفِيقِ في هذا الطريق؛ أنهم الذين أنعم عليهم من النبيين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، ليزول عن الطالبِ للهداية وسلوكِ الطريق؛ وحشةُ تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه، فلا يكترثْ بمخالفة النَّاكِبِين عنه، فإنهم الأقَلُّونَ قَدْرًا، وإن كانوا الأكثرَ عددًا. وتخصيصه لأهل الصراط المستقيم بالنِّعمةِ, يدل على أنّ النعمةَ التامةَ المطلَقةَ هي الموجبةُ للفلاح الدائم، وهي: نعمة الإسلام والسُّنَّة وهي لأهل الإيمان.

فالْمُنْعَمُ عليهم هم من عرف الحقَّ واتَّبَعَه, و{الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} هم من عرفه واتبع هواه. قال الله تعالى في حق اليهود: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} [البَقَرَة: 90] أي: بغضب بعد غضب بسبب تكرُّر كفرِهم وإفسادِهم وقتلِهم الأنبياءَ وكفرهم بالمسيح وبمحمد – صَلى الله عليه وسلم – ومعاداتهم لرسل الله إلى غير ذلك من الأعمال التي كل عمل منها يقتضي غضبًا على حِدَةٍ, فتعطيلُهم ما عطَّلوه من شرائع التوراة وتحريفُهم وتبديلُهم يستدعي غضبًا. وتكذيبهم الأنبياء يستدعي غضبًا آخر. وقتلهم إياهم يستدعي غضبًا آخر. وتكذيبهم المسيحَ وطلبهم قتلَه, ورميهم أُمَّهُ بالبهتان العظيم يستدعي غضبًا، وتكذيبهم النبيَّ – صَلى الله عليه وسلم – يستدعي غضبًا، ومحاربتهم له ولِأَتباعه يقتضي غضبًا. وصدِّهم من أراد الدخول في دينه عنه يقتضي غضبًا- فهم الأُمَّة الغضبية- أعاذنا الله من غضبه- فهي الأمة التي باءت بالغضب المتضاعَف المتكرر، وكانوا أحق بهذا الوصف من النصارى. وقال تعالى في شأنهم: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المَائدة: 60] . فهذا غضب مشفوع باللعنة والمسخ، وهو أشد ما يكون من الغضب.

و{الضَّالِّينَ} هم النصارى، وقد وصفوا بالضلال المتنوِّع في قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المَائدة: 77] فوصَفَهم بثلاث صفات. أحدها: أنهم قد ضَلُّوا من قِبَلِ أنفسهم. والثاني: أنهم أضلوا أتباعهم. والثالث: أنهم ضلوا عن سواء السبيل- فأسلاف النصارى الذي نهي هؤلاء عن اتباعهم اجتمعت لهم الأنواع الثلاثة: ضلوا عن مقصودهم حيث لم يصيبوه، وزعموا أن إِلَهَهم بشرٌ يأكل ويشرَب ويبكي, وأنه قُتِل وصُلِب وصُفِع. فهذا ضلال في نفس المقصود حيث لم يظفروا به، وضلوا عن السبيل الموصلة إليه؛ فلا اهتدوا إلى المطلوب، ولا إلى الطريق الموصلة إليه، ودعَوْا أتباعهم إلى ذلك. فضلوا عن الحق، وعن طريقه، وأضلوا كثيرًا، فكانوا أَدخَلَ في الضلال من اليهود فوصفوا بأخصِّ الوصفَيْن.

فالشقاءُ والكفر ينشأ من عدم معرفة الحق تارة، ومن عدم إرادته والعمل به أخرى- فكُفْرُ اليهود نشأ من عدم إرادة الحق والعمل به, وإيثار غيره بعد معرفته، فلم يكن ضلالاً مَحْضًا. وكُفْرُ النصارى نشأ من جهلهم بالحق وضلالهم فيه، فإذا بُيِّنَ لهم وآثروا الباطل عليه, أشبهوا الأمَّةَ الغضبية، وبقوا مغضوبًا عليهم ضالين.

أما الذين أثنى الله عليهم في القرآن فهم الذين كانوا متمسكين بالتوراة والإنجيل قبل النسخ والتبديل، هم المعنيون بقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 199] . وقوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عِمرَان: 113] الآيات الثلاث.

وليس المراد بهم المتمسك باليهودية والنصرانية بعد بعث النبي – صَلى الله عليه وسلم -؛ فإن هؤلاء قد شهد لهم بالكفر وأوجب لهم النار، قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] ، {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [آل عِمرَان: 65] فهؤلاء من المغضوب عليهم والضالين.

فَلْنَتَفَهَّم معنى الصراط المستقيم- أنه الدين القويم-, وَلْنَسْأَلْه في كل وقتٍ الهدايةَ إليه؛ فإن العبد محتاج إلى معرفة الحق الذي يُرضِي اللهَ في كل حركة ظاهرة وباطنة، فإذا عرفها؛ فهو محتاج إلى من يُلهِمُه قصدَ الحق فيجعلُ إرادَتَه في قلبه، ثم إلى من يقدِّره على فعله، وأن يصرف عنه موانع الهداية؛ فيَخرُج عن طريق المغضوب عليهم الذي عَدَلُوا عنه على عَمْدٍ وعِلْمٍ، والضالين الذين عدلوا عنه عن جهل وضلال.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.